وقوله: بالتكرار لا غضاضة فيه، فالتكرار إما أن يكون تكرارًا بالأدلة والأحاديث نفسها هذا الذي يكون فيه شيءٌ من الحشو، وأما إذا غاير بين الأدلة وزاد فائدةً وتنوعت الأدلة هذا لا إشكال فيه، ولذلك القرآن فيه تكرارٌ لبعض القصص وبعض الأحكام المتعلقة بالعقائد والتوحيد وغيره، وكذلك بعض الأحكام المتعلقة بالعمليات وهذا لا غضاضة فيه بأن يقال: ثَم تكرارٌ بين البابين، وحينئذٍ يكون فيه زيادة وهو ماذا؟ تنوع الأدلة ذكر آية الكهف في الباب السابق، وذكر آية هود في هذا الباب وذكر هناك حديثين، وذكر هنا حديثًا واحدًا، والعقد الذي يجمع البابين أن هذا عمل عملًا صالحًا وأراد به غير الله تعالى، وأما الأفراد التي هي محل تعلق النية هذا لا عبرة به، يعني لا يأتي الشرع بالنظر إلى هذه الأفراد كما أنه حرَّم الشرك وصرف العبادة لغير الله تعالى فبين وضرب أمثلةً، لكن لا يحتاج إلى أنه يُنَص على كل فردٍ من أفرد الطواغيت أو المعبودات من دون الله تعالى، حينئذٍ إذا قيل: هذا سجد لصنم، وهذا سجد لشجرٍ، وهذا سجد لحجرٍ، كل واحدٍ منها ماذا؟ شركٌ أكبر لا نحتاج أن نوجد تغايرًا بين هذه المعبودات مع أن كل واحدٍ ممن سجد تعلق بذلك المعبود لوجهٍ يخصه، فالذي تعلق بالحجر حينئذٍ وجد فيه ما لا يوجد في الشجر، والعكس بالعكس، فهذا التغيُّر بين الآحاد والمفردات نقول: لم يجعل الشارع أن كل واحدٍ من هذه الأنواع شركًا بعينه ونص عليه، وإنما هو أصولٌ وقواعد عامة في بيان حقيقة الشرك، حينئذٍ نقول: هذا لا إشكال فيه، فالظاهر هنا أن (باب ما جاء في الرياء) ، ... و (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) لا فرق بينهما من حيث الحقيقة والحكم، ولذلك كلٌّ منهما عمل صالحًا أراد به غير الله تعالى، ثم كلٌّ منهما وقع في شركٍ أصغر وقد يؤدي بهما إلى الأكبر وكلٌ منهما عمله حابطٌ على الصحيح، ويستثنى من ذلك فيما ذكرناه في الرياء فيما إذا ما طرأ عليه ودافعه، وأما إذا استرسل معه فالنصوص تدل على بطلانه خلافًا لمن قال بأنه لا يبطل، وأما إذا راءى من أصل العمل فهذا لا إشكال فيه في بطلانه، فالصواب أنه لا فرق بين البابين.
أولًا: أن حقيقة الرياء هي العمل لأجل الناس فيعمل العمل الذي ظاهره الصلاح يقصد به أن يراه الناس فيحمدوه مثلًا ولا شك أن هذا القصد هو من إرادة الإنسان بعمله الدنيا أو لا؟ هذا القصد هل هو داخلٌ في إرادة الإنسان بعمله الدنيا أو لا؟ داخلٌ فيه ولا إشكال فيه.