والنوع الآخر: أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا يريد به الدنيا، وهي التي ترجم بها في الباب الذي يليه، فقد يقصد به المدح ورؤية الناس وقد لا يقصد به شيئًا من ذلك، لكن هذا التفريق لا أثر له، سواءٌ قصد أن يراه الناس فيحمدوه، أو قصد المال والشهادة ونحو ذلك نقول: هذا التفريق لا أثر له، أولًا لا أثر له في ماذا؟ في الحكم أن كلًا منهما شركٌ أصغر، ثم بطلان العمل، ثم تسمية هذا مرائي وهذا، نقول: هذه مجرد خلاف في التسمية، أما كون الحقيقة واحدة فهذا إشكال فيه، لكن هذا التفريق لا أثر له في أصل المسألة، لأن مناط الحكم هنا هو ما ظاهر، لذلك لا أقول عمل صالح هذا التعبير فيه خلل، نقول: ما ظاهره عمل صالح، والنية لغير الله تعالى، هذا المراد بالبابين سواء تعلق بالناس مراءاة أو تسميعًا أو تعلق بدنيا من الجاه أو غير ذلك فالحكم واحد حيث ما تعلقت النية بغير الله تعالى فلا التفات إلى ذلك الشيء الذي تعلق به النية لأنها تختلف ولا يأتي الشارع بالتنصيص على مثل هذه المسائل، فهو ما ظاهرة العمل الصالح والنية لعير الله تعالى، سمِّه رياءً سمه ما شئت فلا فرق في ذلك البتة، ثم تأمل في الأدلة التي ساقها المؤلف في البابين تجد أن قوله تعالى {فَمَن كَانَ} وهو محل الشاهد (باب ما جاء في الرياء) {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] دخل المرائي، ودخل من أراد بعمله الدنيا لا فرق بينهما فالدليل واحد والأفراد والآحاد متعددة، إذًا لا نقول: هذا فرد يمتاز عن هذا الفرد، فالدليل واحد {وَلَا يُشْرِكْ} سمَّى المرائي مشركًا، وسمَّى من أراد الدنيا مطلقًا بعمله سمَّاه مشركًا، إذًا النص عام حينئذٍ النظر في الأفراد وتسميه كل فرد بما يخصه تسمية لا أثر لها في الحكم - انتبه لهذا القيد - لا أثر لها في الحكم نقول: هذا فرق ظاهري لا جوهري، ولا أصل له من حيث المعنى. ثم كذلك قوله أو في الحديث القدسي: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» . ... «أشرك معي فيه غيري» . مطلقٌ هنا، فيه عموم سواء أراد به المراءة أو لا، حينئذٍ الحكم عام، جاء النص ماذا؟ «تركته وشركه» . سواء كان مرائيًا مسمِّعًا أراد به غير الله تعالى فهذا هو الحكم الذي عناه، والشرع لا التفات له إلى متعلَّق الدنيا باعتبار الأنواع والآحاد، وكذلك الأدلة في باب الباب الثاني (من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [هود: 15] هذا يدخل فيها من أراد ماذا؟ أراد بعمله الدنيا وقصد به المراءاة للمدح والفرار عن الذم، حينئذٍ الآية عامة، فكل آية دخل فيها معناه للباب الثاني، هذا يدل على ماذا؟ على أنه لا فرق بين البابين.