وقال ابن عباس: أي لا تشركوا به شيئًا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر. وهذا يدل على أنه حملها على الشرك الأكبر، ومع ذلك سيأتي قوله في ذكر بعض المفردات المتعلقة بالشرك الأصغر، وقال هنا: لا تجعلوا لي شيئًا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه ربكم، لا يرزقكم غيره، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: وأنتم تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل، حكاه ابن كثير وغيره.
إذًا هذه الأقوال كلها ليست متضاربة، وإنما هي أقوال تَصُبُّ في معنى واحد، وأن المراد بذلك هو الشرك الأكبر، سواء كان شركًا في العبادة بصرف نوع من أنواع العبادة أو كان الشرك بالطاعة، وهو نوع من أنواع العبادة، وأنتم تعلمون أنه ربكم، أنه إلَهكم أنه خالقكم .. إلى آخره.
وذكر يعني ابن كثير حديث الحارث الأشعري: «إن الله - تعالى - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات .. أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مَثَلَ ذلك مثل كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِقٍ - أو فضة -، فجعل يعمل - يعني ذلك العبد، اشترى عبدًا لنفسه بخالص ماله، فجعل ذلك العبد يعمل - ويؤدي غلته إلى غير سيده - هل هذا عدل؟! ليس بعدل، وأنت عبد لله تعالى خلقك لعبادته فلا تجعلوا العبادة لغير الله تعالى، كهذا العبد الذي اشتراه سيده من أجل أن يخدمه ويعمل ويرد إليه الكسب، وحينئذٍ يعمل ويجعل غلته لغيره، لغير سيده - فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ - لا أحد البتة - وإن الله رزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا» . فإذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف تجعلون له أندادًا، وقد علمتم أنه لا ندَّ له يشاركه في فعله، قاله ابن القيم رحمه الله تعالى.
وجملة ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) إعرابها حال للفاعل تجعلون، تجعلوا أنتم، أليس كذلك؟ حال كونكم عالمين، وجملة ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) حال من فاعل تجعلوا، أي والحال أنكم تعلمون، تعلمون ماذا؟ أنه لا أنداد له في الربوبية، لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء لأنهم جعلوا له أندادًا في الألوهية وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية لأنهم سلّموا بمفردات ذلك المعنى، ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا} ) تصرفون لهم العبادة أو شيئًا منها ( {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ) أنه ربكم ولا يرزقكم غيره، ولا يستحق العبادة سواه.
هذه الآية دالة على توحيد الله في العبادة، وسيأتي أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حمل بعض مفردات الشرك الأصغر على هذه الآية، بمعنى أنه فسر هذه الآية بشيء من الأصغر، وأما الاستدلال بالآية هكذا مطلقًا هذا لا يتأتي، وإنما ينظر إلى ما بعده.