هل كتب النبي ? وصية وأشهد عليها وبقيت باقية إلى يومنا هذا؟ لا، ليس ثَمَّ وصية، وإنمَّا هو اجتهاد، ولذلك كان المقرر - ذكره ابن كثير، وذكرناه فيما سبق - ( {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} ) بأن وصاكم أو وصاكم ( {أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) ، فإذا وصَّى النبي ?، فلن يُوصِي أو يُوَصِّي إلا بشيء وصَّى به الرب جل وعلا، وأمّا إذا قيل بأنه على ظاهره حديث ابن مسعود: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ? التي عليها خاتمه) أين هي؟ من رآها من الصحابة؟ [ها] ، إِنْ وُجد فحينئذٍ صح، إن لم يوجد حينئذٍ صار هذا تقديرًا. يعني لو وصَّى، لم يُوصِ النبي ?، وإنما لو وصَّى فلن يوصي إلا بما جاء في كتاب الله، ومنه هذه الآيات الثلاث لاشتمالها على الحقوق المذكورة فيما سبق ذكره.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لا زال الحديث في الباب الأول (باب وجوب التوحيد وبيان أهميته ومكانته) ، وذكر المصنف رحمه الله تعالى خمس آيات وحديثًا واحدًا وهو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وأثر ابن مسعود رضي الله عنه، من جعل أثر ابن مسعود حديث له حكم الرفع فحينئذ جعل المصنف هنا قد استدل بحديثين، ولا إشكال الخَطْب سهل، لكن الظاهر أنه من رأيه رضي الله تعالى عنه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على حمار فقال لي: «يا معاذ أتدري ما حقّ الله على العباد، وما حقّ العباد على الله» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا» . قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا» أخرجاه في(( الصحيحين ) )).
هذا الحديث كما هو واضح بَيّن أن له علاقة بالباب الأول وهو (باب وجوب التوحيد) ، والشاهد فيه ( «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» ) وهذا الحق إنما هو حق واجب، بل هو أوجب الواجبات، وبه أرسل الله عز وجل الرسل أجمعين من أجل بيان هذا الحق.
(وعن معاذ بن جبل) هذا كثير عن أبي هريرة، عن ابن مسعود، وهو جار ومجرور لا بد له من متعلَّق وأين متعلقه؟ أين هو ملفوظ به أم مقدر؟ كثير هذا، تحفظ العمدة من أوله إلى آخره وعن أبي هريرة، وعن ... أين هو؟ [ما تدروا] ؟ [نعم يا محمد، أي] ، أَرْوُي عن معاذ بن جبل حينئذ يُقَدَّرُ له فعل مضارع أَرْوِي، أو أذكر عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، لأنه جار ومجرور فهو معمول فلا بد له من عامل، أين هو في جميع الأحاديث التي تمر بك حينئذ إن وُجِدَ ما يُمكن تعليقه به في الظاهر فهو هو وإلا فيُقَدَّر، هذا هو القاعدة من حيث التعلَّق والتعليق ما وُجِدَ في اللفظ وأمكن تعليقه به فحينئذ عُلِّقَ به، إن وُجِدَ في اللفظ ولا يمكن التعليق به يعني لا يتم المعنى أو المعنى يكون ركيكًا لو عُلِّقَ بالملفوظ حينئذ يُقَدَّرُ له، سواء ذُكِرَ أو حُذِفَ، والشرط في التعلّق والتعليق أن يكون في شيء يصح به المعنى، وقد يتجاذب الجار والمجرور، وكذلك الظرف شيئان، يعني يجوز أن يُعلَّق بهذا ويجوز أن يُعَلّق بذاك، لكن تمام المعنى وتمام الكلام هو الذي يُبين أيهما أرجح، مع جواز الوجهين، النحوي يقول لك: يجوز أن يُعَلَّق بكذا ويجوز أن يعلق بكذا كما سبق في قوله ( {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} ) أتل عليكم، حرم عليكم جار ومجرور يجوز أن يُعَلَّق بـ ( {أَتْلُ} ) لأنه فعل والمعنى واضح بَيّن عليّ أتل عليكم، ويجوز أن يُعَلَّق بالثاني، والثاني مذهب البصريين، و ( {أَتْلُ} ) مذهب الكوفيين. إذا القاعدة أنه إذا جاء جار ومجرور حينئذ يُعَلَّق بالمذكور، إن تم وصَحّ المعنى، إن صَحّ المعنى وتم به فهو واضح، وإن لم يتم المعنى أو إن لم يصح فحينئذ لا بد من التقدير، إن لم يوجد فهو من باب أولى وأحرى.