فهرس الكتاب

الصفحة 1649 من 2014

وفيه كذلك قَبول الحقّ ممّن جاء به كائنًا من كان، ولو كان عدوًّا مخالفًا في الدين. النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل هنا ماذا؟ قبل قول يهودي وهو ليس بمسلم بل هو عدو للإسلام، حينئذٍ إذا جاء المخالف المنتسب للإسلام ولو كان صاحب بدعة وجاء بحق حينئذٍ نقول: الأصل هو وجوب قبول ما معه من حَقٍّ. قد بينا ذلك فيما قاله ابن القيم: إنه لا يجوز رد حقٍّ البتة، ولو جاء على لسان كافر كما جاء هنا على لسان ذلك اليهودي، لأنه ما من [أثر نعم] حقٍّ في السماوات والأراضين إلا وهو أثر من آثار اسم الله الحقَّ، فإذا رددته فقد رددت على الله، الله جل وعلا من أسمائه الحقُّ، كما من أسمائه الرحمن الرحيم، فما من رحمة في السماوات ولا في الأرض إلا وهي أثر من آثار اسمه الرحمن، كذلك الحق زِنْ هذا بذاك، فما من حقٍّ على لسان كافر أو مسلم ولو مبتدعًا إلا وهو أثر من آثار اسم الله تعالى الحق، ولذلك قَبِلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا اليهودي ما جاء به، ولم يرده لكونه جاء من جهة يهوديًّا، إذًا فيه قَبول الحقّ ممّن جاء به كائنًا من كان، ولو كان عدوًّا مخالفًا في الدين. فلم يُنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قاله اليهودي لكونه جاء من يهودي، نقول: هذا لا يجوز شرعًا، فأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قاله اليهودي مع كونه أورده على جهة الذّمّ والتنقص للمسلمين، ومع ذلك قبل ذلك، حينئذٍ نقول: هذا فيه درس كبير، بل أمر بتصحيح الخطأ فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: (ورب الكعبة) فيكون القسم بالله تعالى، وأمرهم أن يقولوا: (ما شاء الله ثم شئت) ، وصحح اللفظ في الموضوعين، وهذا عمل بما جاء به هذا اليهودي، لكن لا تكون الحجة في قول اليهودي، لا تكون الحجة في قوله، وإنما الحجة والإنكار في ماذا؟ في إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: (إنكم تشركون، تقولون) فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، لو كان باطلًا لردَّه النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعتبر حجة شرعية تثبت بها الأحكام الشرعية، سواء كانت في باب العلميات أو في باب العمليات، يعني في الأصول والفروع، وهو حجة شرعية وهو دليل صحيح، يعني يُخَصُّ به العام ويقيَّد به المطلق، فإذا تعارض مع منطوق حينئذٍ لا بد من الجمع بينهما، يعامل معاملة الدليل المستقل، فلم يُنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال اليهودي، بل لم ينكر عليه مع أن ظاهر قصده الذَّم واللوم والتنقص للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لأن ما قاله يعتبر حقًّا.

وفيه أن الحلف بغير الله شرك، يقال: (والكعبة) ، (إنكم تشركون وتندِّدون) فهو شرك، وأن الشّرك الأصغر لا يخرج من الملة، يعني لا يخرج الإنسان من الإسلام، كما مرَّ معنا الشّرك الأصغر باتفاق أهل العلم أهل السنة والجماعة أنه لا يخرج من الملة، وإنما الذي يخرج من الملة هو الشّرك الأكبر والكفر الأكبر، وكذلك قوله: (ما شاء الله وشئت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت