وفيه أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يُقبل، هذا عذرٌ لكن ما قبله النبي - صلى الله عليه وسلم -، الاستهزاء ومحادة الله تعالى بمثل هذه النواقض ليس فيها عذرٌ البتة، أي فليس لكم عذرٌ، لماذا؟ لأن هذا لا يدخله الخوض واللعب، ليس المجال مجال خوض، فإذا خاض ولعب في أحكام الله تعالى وشريعته وطعن في النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو طعن في القرآن ليس عندنا عذرٌ البتة. إذا أردت الخوض فثَمَّ أمور الدنيا، فأما أمور الشريعة فلا، فكلُّ من خاض في الشرع كفر، كل من خاض في الشرع على وجه التنقص والطعن فقد كفر، لماذا؟ للنص الذي معنا. وقلنا: إما النظر أن يكون إلى الأصل، أو ما كان فرعًا عنه، فليس لكم عذرٌ لأن هذا لا يدخل الخوض واللعب وإنما تُحترم هذه الأشياء وتعظم ويُخشع عندها إيمانًا بالله ورسوله وتعظيمًا لآياته وتصديقًا وتوقيرًا له عليه الصلاة والسلام، فالمقابل لها بالخوض واللعب واضعٌ له في غير محله، متنقصٌ بالله ولآياته ولرسوله ولا يكون معذورًا البتة، ليس ثَمَّ عذرٌ هنا البتة، وهذا كما ذكرتُ لكم ينبغي العناية به.
فإن قيل: لم يقتلهم النبي، ما قتلهم يعني ثبت أنهم ماذا؟ ارتدوا عن الإسلام، ومع ذلك ما قتلهم.
هذا جوابه: لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يقتل المنافقين إذا ظهر نفاقهم، وإن كان قتلهم جائزًا خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه كما جاء في الخبر عنه - صلى الله عليه وسلم -، كما بينه عليه الصلاة والسلام فكان في ترك قتلهم مصلحةُ تأليف الناس على الإسلام واستئلاف عشائرهم المسلمين أيضًا.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه بيانًا وتفسيرًا للآية.
وفيه أن الاستهزاء بالله أو بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أو بالقرآن ناقضٌ من نواقض الإسلام ولو لم يعتقد ذلك بقلبه.
وفيه الخوف من النفاق فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانًا قبل أن يقول ما قالوه.
(فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر).
(من هزل بهذا) ما هو؟ آيات الله، {قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} . لقوله: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .
(الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنًا من كان) أيًّا كان، وكل من استهزأ بالشرع وتَنَقَّصَ الشرع فهو كافرٌ مرتدٌ عن الإسلام، أي من استهزأ بالله وآياته ورسوله فقد دلت الآية على أنه كافرٌ على أي حالةٍ وقع ذلك وفي أي فعلٍ كان.
(الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله) لأن عوفًا سمع الكلام وذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، نمام؟ لا، لأن النميمة ما الفرق؟ يقصد بها الإساءة، أي ما ذكره عوفٌ من كلام هؤلاء من النصيحة لا من النميمة لأنها نقل الحديث بين الناس على جهة الإفساد بينهم.