ظاهر الحديث كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى أن قصتهم كانت مشهورة معلومة بين الناس، لقوله: ( «إنما ابتليتم» ) يعني أخبر الأعمى هو لا يدري عن صاحبيه هذا الأصل، لكن لما قال (ابتليتم») دلّ ذلك على أنه علم بحال الأبرص والأقرع، هذا الظاهر والله أعلم.
في قوله: ( «إنما ابتليتم» ) يدل على أن عنده علمًا بما جرا لصاحبيه ... ( «فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» ) فالأعمى اعترف بنعمة الله عليه، ونسبها إلى من أنعم عليه بها وأدَّى حق الله فيها فاستحق الرضا من الله تعالى بقيامه بشكر النعمة لَمَّا أتى بأركانها:
الإقرار بها، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يحب الطاعة.
وكفر صاحباه نعمة الله عليهما فاستحقا السخط بذلك.
وفهي إثبات صفتي الرضا والسخط لله تعالى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة. يعني لا بد من اجتماع هذه الأمور كلها، الاعتراف بإنعام المنعم، وهذا قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب فيجتمعان، ولا بد أن يكون ماذا؟ على وجه الخضوع له لله تعالى والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا بها لم يشكرها، يشكر ماذا؟ هو يجهل أنه في نعمة، يشكر ماذا؟ ومَنْ عَرَفَهَا ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضًا، يَشْكُرُ مَنْ؟ ومن عرف النعمة والمنعم لكن جَحَدَهَا ما أَقَرَّ بها كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ولم يحبه ولم يرضَ به وعنه لم يشكره أيضًا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقرّ بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها، جمع بين هذه الأوصاف كلها، فلا بد في الشكر من علم القلب وعملٍ يتبع العلم، الشكر لا يكون إلا باجتماع الأمرين عملٌ ظاهر مع عمل باطن، لا بد من اعتقاد ولا بد من عملٍ ظاهر، وهذا يدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان لأن الشكر واجب، وعملٍ يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له.
مناسبة الحديث للباب فيه بيان حال من كفر النعم ومن شكرها، بين حاله ورضي عن هذا وسخط على هذا.
والحديث: وجوب شكر النعمة في المال وأداء خص الله فيه.
وفيه تحريم كفر النعمة ومنع حق الله في المال.
وفيه جواز ذكر حال من مضى من الأمم ليتعظ به من سمع، ولذلك قَصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه القصة.
كذلك فيه أن الله يختبر عباده بالنعم يعني النعمة التي يكون فيها الإنسان قد تكون بلاءً وفتنة.
وفيه مشروعية القول: بالله ثم بك، يعني بـ (ثُمَّ) لا بالواو، أليس كذلك؟