وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني خلق من آدم زوجه وهي ماذا؟ حواء عليها السلام، جعل منها زوجها معطوف على خلقكم، أي هو الذي خلقكم من نفس آدم وجعل من هذه النفس زوجها وهي حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه، هذا التوجيه الذي عليه أكثر أهل العلم من أهل التفسير وغيرهم. قال ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره: يقول تعالى ذكره {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني بالنفس الواحدة آدم. ثم أسند عن مجاهد {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: آدم عليه السلام. وأسند عن قتادة {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: من آدم. ثم قال ابن جرير: ويعني بقوله {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وجعل من النفس الواحدة وهو آدم زوجها حواء، ثم أسند عن قتادة يعني بسنده {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه ليسكن إليها، وهذه أقوال كثير من المفسرين وخاصة من التابعين، وسيأتي أثر ابن عباس يدل على ذلك.
قوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} . علة للجعل، يعني لماذا جعل منها زوجها؟ ليسكن إليها، أي جعله منها لأجل أن يسكن إليها يَأنس إليها ويطمئن بها فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار، يعني هذا النوع إلى هنا إنما كان في الجنة لا على الأرض، أليس كذلك؟ {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أين هذا حصل؟ أين حصل؟ في الجنة قطعًا أو لا؟ دلت الأحاديث النبوية على أن ذلك وقع في الجنة، ثم انتقل إلى حالة أخرى وهي بعدما أُهْبِطَ إلى الأرض، قال ابن جرير: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} . ليأوي إليها لقضاء الحاجة ولذته، ثم ابتدأ سبحانه بحالةٍ أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما، إذًا ثَمَّ حالان انتقال في آية واحدة من حال كانت في الجنة وما حصل وما كان، ثم انتقل إلى حالة أخرى عليهما الأبوان، فقال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} . أين وقع هذا أين حصل؟ على الأرض وليس في الجنة، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} التغشي كناية عن الوقاع، بمعنى أنه جامعها، جامع آدم حواء، حينئذٍ {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} وذاك أول الحمل، الحمل الخفيف والحمل والثقيل، ولذلك قال: {فَلَمَّا أَثْقَلَت} إذًا عندنا حمل خفيف وحمل ثقيل، والحمل الخفيف أول الحمل لا تجد المرأة له أَلَمًا ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء النطفة أخف منه عند كونه علقة، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة، وعند كونه مضغة أخف مما بعده.
إذًا هو ليس على مرتبة واحدة في الأثناء والابتداء والانتهاء.