إذًا هذا الحديث قال المصنف فيه رحمه الله تعالى: (عن أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أُمِرَت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أُمِرَت به» . صححه الترمذي) . يعني رواه الترمذي وصححه، وإن كان الأصل في هذا التعبير أنه لا يلزم منه أنه أخرجه، لكن هذا الذي جرى عليه الاصطلاح (صححه الترمذي) يعني أخرجه، قد يكون صححه في غير موضعه كما هو الشأن في صنيع البخاري رحمه الله تعالى، قد ينقل عنه الترمذي تصحيحًا ولا يكون الحديث في الجامع، إذًا لا يلزم إذا قيل: صححه البخاري أن يكون في الجامع، كذلك إذا قيل: صححه الترمذي لا يلزم أن يكون في الجامع. قوله: (عن أبي بن كعب رضي الله عنه) . أُبَيِّ بن كعب أي بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر صحابيّ بدريّ جليل، سيد القراء، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «لِيَهْنَكَ العلم أبا المنذر» . وقال له - صلى الله عليه وسلم: «أمرني ربي أن اقرأ عليه» . ثم قرأ عليه سورةً من القرآن، وكان عمر يسميه سيد العرب، قيل: إنه مات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة عثمان سنة ثلاثين من الهجرة. قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «لا تسبوا الريح» ) . السب مر معنا أنه الشتم والعيب والنقص والقدح وكذلك يدخل فيه اللعن، ومن لعن الريح فسبها، من تنقصها وعابها فقد سبها، إذًا السب بمعنى الشتم والعيب واللعن والقدح وكل ما يُفهم منه العيب والنقص، ( «لا تسبوا الريح» ) ، والريح معروفة أو الريحُ معروفٌ بالتذكير، وهي فيما قيل: الهواء المتحرك، هكذا عرَّفه في (( المفردات ) )الراغب الأصفهاني، الهواء المتحرك، وعامة المواضع التي ذكر الله تعالى فيها إرسال الريح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب، يعني يأتي في القرآن (الريح) ويأتي (الرياح) ، الغالب إذا قيل: الريح فهي في العذاب، وإذا قيل: (الرياح) فهي في الرحمة، هذا غالب ما .. وأورد لذلك أمثلة كثيرة، وعامة المواضع التي ذكر الله تعالى فيها إرسال الريح بلفظ الواحد فعبارة عن العذاب، وكل موضع ذُكر فيه بلفظ الجمع فعبارة عن الرحمة، وذكر أمثلةً قال: فمن الريح {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} [القمر: 19] {رِيحًا} عذابًا، إذًا الريح هذا هو الهواء المتحرك لكن ماذا؟ معه عذاب، فيكون عذابًا، وليس المراد أنه عذاب شيء غير الريح، لا بل هي الريح تارةً تكون رحمةً فتختص بالريح، وتارة تكون رحمة فتسمى رياحًا وإلا المصدق واحد، يعني المسمى واحد، لكن يختلف باعتبار ماذا؟ ما يترتب عليه من عذابٍ ورحمة، {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} ، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا} [الأحزاب: 9] {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} [إبراهيم: 18] .