قال هنا: قال ابن عباس: (إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئًا فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن، وإنما يجري الناس على أمرٍ قد فرغ منه) . «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» قال عبادة: (يا بني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» ) . ( «على غير هذا» ) المشار إليه الإيمان بالقدر الحديث في الإيمان بالقدر، الإشارة إلى الإيمان بأن الله كتب مقادير كل شيء، وهذا أصل الإيمان بالقدر، وقوله: ( «فليس مني» ) . أي لأنه إن كان جاحدًا للعلم القديم فهو كافر كما قال كثيرٌ من السلف، ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن جحدوه كفروا خرجوا من الدين، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قَسَمَهُم، يعني قبل خلقه إلى شقيٍّ وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن، فيكفر بذلك كما نص عليه الشافعي وأحمد وغيرهما، وإن أقروا بذلك بالعلم والكتابة وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادةً كونية قدرية فقد خُصِمُوا يعني لزمتهم الحجة، لأن ما أقروا به حجةٌ عليهم فيما أنكروا، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور والصحيح أنهم كفار كذلك، لماذا؟ لأن النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة في عموم المشيئة، وكذلك في عموم الخلق حينئذٍ صاروا مكذبين، لا فرق بين الغلاة وبين هؤلاء في كونهم ماذا؟ مكذبين للقرآن والسنة، لكن أولئك كَذَّبُوا العلم والكتابة، وهؤلاء كذبوا ماذا؟ المشيئة والخلق، ولا فرق بينهما البتة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بريء من الطائفتين هذا النص قال ماذا؟ (يا بني) أين النص؟ ( «من مات على غير هذا فليس مني» ) ، ( «فليس مني» ) نقول: على ظاهرها ليس مني، إذًا ليس من النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرأ منه، تبرأ من الغلاة ومن غيرهم، ودلت النصوص على أنهم ليسوا منه عليه الصلاة والسلام لكفرهم، فكل من كذّب القرآن والسنة حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون كافرًا، وما ذكره القرطبي في كونهم جحدوا معلومًا من الدين بالضرورة في إنكار العلم نقول: لا فرق بينه وبين ماذا؟ لذلك قلنا هناك أن هذا علة، علة الحكم، لماذا كفروهم؟ لأنهم جَحَدوا ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهو أن الله تعالى علمه السابق، كذلك المشيئة معلوم من الدين بالضرورة كذلك عموم الخلق معلوم من الدين بالضرورة، وإثبات خالق مع الله تعالى انتفاؤه وأنه شركٌ أكبر معلوم من الدين بالضرورة، إذًا على الطائفتين نقول: الحكم واحد ولا فرق بينهما البتة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - بريء من الطائفتين الأولين والآخرين.
قد بيض المصنف في آخر هذا الحديث ليعزوه وقد رواه أبو داود وهذا لفظه ورواه أحمد والترمذي وغيره.
قال المصنف: (وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم» ) . (وفي رواية لأحمد) هذه كالسابقة، لكن فيها زيادة وهي قوله: ( «فجرى في تلك الساعة» ) . ( «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب» ) إلى هنا كالسابقة، ( «فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» ) هذه الزيادة هي الفرق بين الروايتين الأولى والسابقة، هذه الرواية فيها زائدة وهي قوله: ( «فجرى في تلك الساعة» ) .. إلى آخره، فإنها صريحة في أن القلم امتثل، وهو كذلك امتثل، امتثل أمر الله تعالى، وإن كان الحديث السابق يدل على ذلك لكن بدلالة الالتزام، بأنه سيكتب امتثالًا لأمر الله تعالى، فيستفاد منه ما سبق من كتابة الله سبحانه وتعالى كل شيء إلى قيام الساعة، وهذا في القرآن دلّ عليه القرآن كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] . وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، {نَّبْرَأَهَا} أي نخلقها، ويوم القيامة هو الساعة كما في الحديث السابق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه أحرقه الله بالنار» ) .