ابن وهب هو عبد الله بن وهب المسلم القرشي مولاهم المصري الثقة الفقيه صاحب مالك، روى عنه، وعن عمرو بن الحارث وابن هانئ وحيوة وغيرهم، وعنه شيخه الليث بن السعد وابن مهدي والمديني وجماعة، جمع وصنف وحفظ على أهل الحجاز ومصر وغيرهم، ولد سنة خمس وعشرين ومائة، ومات سنة سبعٍ وتسعين ومائة.
قوله: ( «فمن لم يؤمن» ) . - صلى الله عليه وسلم - ( «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه أحرقه الله بالنار» ) فيه بيان عقوبة من لم يؤمن بالقدر، بأن الله تعالى يحرقه، أي فمن لم يؤمن، من لم يؤمن هذا يشمل طائفتين من جزم بنفيٍ يعني من نفى من شك وتردد؟ كذلك الحكم واحد، لأن الإيمان بالأركان الستة لا يكون الإيمان إيمانًا إلا مع الجزم، وقررنا ذلك فيما يتعلق بالعقيدة، قلنا: العقيدة سميت عقيدة لماذا؟ من الْعَقْدِ لا بد من الجزم فلا يجوز هنا ماذا؟ الشك والتردد، {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] إذًا من لم يؤمن يقابله طائفتان:
-من أنكر يعني نفى جازمًا.
-أو شك وتردد.
حينئذٍ نقول: هذا داخل في الوعيد، أي فمن لم يؤمن بما قدَّره الله وقضاه فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء وتصرفه في كل شيء وكذَّب بكتبه ورسله ووعده ووعيده فاستحق أن يحرقه الله بالنار لكفره وبدعته، لأنه تقرر أنهم ماذا؟ أنهم كفار، فإذا لم يؤمن بالقضاء والقدر على الوجه الشرعي فهو كافر، وإذا كفر بذلك حينئذٍ الإيمان بالله أن تؤمن بالله وملائكته إذًا من كفر بواحد منها كفر بالجميع، فهي متلازمة من حيث القبول ومن حيث الرد، وهذا يدل على أن الإيمان بالقدر خيره وشره فردٌ لازم لا يتم الإيمان يعني بأصله إلا به، فإذا انتفى انْتفى الإيمان، كمن لم يؤمن بالملائكة مثلًا كمن لم يؤمن بالملائكة حينئذٍ إذا لم يؤمن بالملائكة ما حكمه؟ يوجد فرقة متأخرة قالوا: الملائكة لا وجود لهم. كفار هؤلاء، لماذا؟ لأنهم أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة، قالوا: هذه أرواح لا وجود لها وإنما هي النفس الزكية أو النفس تتلون .. إلى آخره، المراد أنهم ماذا؟ أنكروا وجود الملائكة، نقول: من أنكر وجود الملائكة كمن لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقضاء والقدر، حينئذٍ نقول: إذا كفر بواحد كفر بالجميع، وهذه الأصول لعلك نسينا ننبه أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه هنا قال ماذا؟ قال فيما سبق قرأناه عنه أنه أخبرهم أنهم بريء منهم، على كلٍّ نَزَّل الحكم عليهم مباشرةً، نَزَّل الحكم عليهم ماذا؟ مباشرةً، تَبَرَّأَ منهم وقال: أخبرهم بأنهم برءاء مني. بمعنى ماذا؟ أن هذا الأصل عظيم، والعلم به في الشرع لا يلتبس، حينئذٍ لا ينكره أو يطعن فيه إلا كافر معلوم الكفر في الدين، وليس لم يقل ماذا قالوا؟ ماذا دليلهم؟ هل عندهم حجة؟ أو ليست بحجة، هل تحققت بالشروط وانتفت الموانع .. إلى آخره، هذا كله لم يقله ابن عمر يدل على ماذا؟ على أنه نَزَّل الحكم مباشرةً عليهم، قال: أخبرهم (لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) . يعني نزَّل عليه حكم الكفار، وهو عدم قبول النفقات حتى يؤمنوا، بمعنى أنه كفرهم، ولذلك قلنا فيما مضى: أن هذا الحكم من ابن عمر يستلزم أنه كفرهم، يعني اعتقد أنهم كفار، أين العذر بالجهل؟ أين هو؟ هل نُقل؟ هل نُقل حرف واحد؟ هذه المسائل ليس فيها عذرٌ بجهل البتة، كيف بما لو نُقل لابن عمر أن من يأتي يذبح عند القبر، أو أنه يطوف بالقبر، أو أنه ينذر للقبر، أو أنه يدفع النذور ونحو ذلك إلى القبور كيف يتبرأ منهم من باب أولى وأحرى، الشاهد هنا أن هذه المسائل كما نُقِلَ عن الصحابة أنهم نَزَّلُوا الأحكام مباشرةً، ولم يستفصلوا هل عندهم حجة أو ليست بحجة .. إلى آخر ما يقال من البدع التي كثر الكلام فيها في هذا الزمان.
قال هنا: ( «فمن لم يؤمن» ) أي من لم يؤمن إيمانًا صادقًا جازمًا ... ( «أحرقه الله بالنار» ) فيدل على أن من أنكر أو شك فإنه متوعد بالنار.
وفي الحديث أن النار محرقة، قال تعالى: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} . وهو كذلك النار محرقة.
مناسبة الأثر للباب: أن فيه وجوب الإيمان بالقدر والتحذير من إنكاره والكفر به، وبيان الوعيد المترتب على ذلك.