فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 2014

وفيه بيان عموم وشمول علم الله تعالى وإحاطته بما كان وما يكون في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] . وفيه إثبات القدرة لله تعالى، إثبات القدر يستلزم إثبات القدرة. قال أحمد: القدر قدرة الرحمن. يعني عرف القدر بماذا؟ بقدرة الرحمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: يشير - يعني الإمام أحمد في تعريف القدر بأنه قدرة الرحمن - يشير إلى أن من أنكر القدر فقد أنكر قدرة الرحمن، وأنه يتضمن إثبات قدرة الله على كل شيء، وهذا واضح بَيّن.

وفيه إثبات القلم وكتابة المقادير الماضية والمستقبلة به، يعني بالقلم إلى قيام الساعة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أُبَيَّ بن كعب رضي الله تعالى عنه فقلت [له] : في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه) . وفي رواية أن يذهبه (من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر) هذا كابن عمر الحكم واحد، الصحابة لا خلاف بينهم في الأصول البتة، اجزم وأنت مطمئن بهذا، لو لم تسمع قولًا واحدًا لكن أقوالهم كلها ماذا؟ كلها متطابقة ومتآنفة.

قال: (لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما اصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار) . [الله أكبر، هذا يدل على التكفير] . (قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه) .

قوله: (وفي المسند) . مسند مَنْ؟ الإمام أحمد مسند الإمام أحمد، ... (والسنن) أي سنن أبي داود وابن ماجة فقط بمعنى ما ذكره المصنف وفيه زيادة اختصرها المصنف، ولفظ أبي داود كما ذكره المصنف إلا أنه قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك. الأقوال متطابقة، قوله: (عن ابن الديلمي) هو عبد الله بن فيروز الديلمي، وفيروز هو قاتل الأسود العنسي الكذاب، وعبد الله هذا ثقة من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة، كان يسكن بيت المقدس روى عن أبيه، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وحذيفة وغيرهم، وعنه أبو إدريس الخولاني ووهب بن خالد وغيرهم، (الديلمي) نسبةٌ إلى جبل الديلم دَيْلَمِي بفتح الدال، وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن.

قوله: ( [وقع] في نفسي شيء من القدر) ما هو؟ الله أعلم ما بينه ( [وقع] في نفسي شيء من القدر) والمراد هنا ماذا؟ أنه حصل شكٌّ واضطراب في نفسه، ما هو يتعلق بالعلم يتعلق بالمشيئة بالخلق إلى الكتابة لم يفصح عن ذلك، فجاء السؤال مبهمًا، لكن جاء الجواب صارمًا بمعنى أنه ماذا؟ شيء نكرة، ولذلك قال ماذا، ونكرة في سياق الإثبات يعني أدنى شيء يطلق عليه شيء جاء الجواب صارمًا من الصحابة، ( [وقع] في نفسي شيء من القدر) نفسي يعني صدري أو قلبي، (شيء من القدر) أي شك أو اضطراب يؤدي إلى شكٍّ فيه أو جحد له، ولفظ ابن ماجة قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد عليّ ديني وأمري، فأتيت أُبَيّ بن كعب فقلت: يا أبا المنذر قد وقع في قلبي شيءٌ من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني. فقال: لو أن الله عَذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. أي لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعتوهم وعصيانهم فمحض عدله، لأننا سبق عندنا قاعدة أن الذنب الذي يُنسب إلى العبد جاء على أصله، وأن الطاعة التي تُنسب إلى العبد على خلاف الأصل، من الذي أعطاه؟ الله عز وجل، إذًا لو عذَّبهم عَذبهم لعتوهم وعصيانهم فمحض عدله الخالص من شائبة الظلم وهو أرحم الراحمين، ولولا فرط عتوهم وإبائهم عن طاعته واستحقاقهم للعذاب لما عذبهم، وهو الحكم العدل ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم. فقال يعني أُبَيّ:

(لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر) دل على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، بمعنى أنه إذا تخلف الإيمان بالقدر حل الكفر، حل الإنسان في الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت