فهرس الكتاب

الصفحة 1925 من 2014

ولفظ ابن ماجة: ولو كان لك جبل أحد ذهبًا أو مثل جبل أحدٍ ذهبًا تنفقه في سبيل الله ما قَبِلَهُ الله منك حتى تؤمن بالقدر. أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته وأمره كما ذُكِرَ عن غير واحد من الصحابة. وجواب أُبَيّ كجواب ابن عمر السابق يدل على أنه كافر، لأن الذي لا تقبل منهم النفقات هم الكفار، وكذلك مسألة الحجة ونحوها.

قوله: (وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) . هذه سبق شرح حديث عبادة، قوله: (ولو مُت على غير هذا) . مُتَّ مِتَّ كما مر معنا فيما سبق، (ولو مُتَّ على غير هذا لكنت من أهل النار) جزم أُبَيّ بن كعب بأنه إذا مات على غير هذا أنه من أهل النار، فكلّ هذه الأحاديث وما في معناها في الوعيد الشديد على من لم يؤمن بالقدر، وفيها الحجة الواضحة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار الكبائر، وهذا الذي اعتقدوه هم من أكبر الكبائر، فيلزمه على مذهبهم أنهم خالدون مخلدون في النار. نحن نقول: كفار. نقول بملء أفواهنا: أنهم كفار ليسوا بمسلمين.

قال هنا: ولازم مذهبم الحكم عليه بالخلود في النار إن لم يتوبوا، وقد خالفوا ما تواترت فيها أدلة الكتاب والسنة من إثبات القدر. قوله: (فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيدبن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) . ولفظ ابن ماجة: (ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود) . يعني دله أُبَيّ، نعم، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته فذكر لي مثل ما قال أُبِيّ. علمٌ واحد لا يختلف ولا يتعدد. وقال لي: (ولا عليك أن تأتي حذيفة) . فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال عبد الله. تواطأت أقوالهم على هذا، فقال: (ائت زيد بن ثابت فاسأله) . فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لو أن الله عذّب أهل سماواته وأهل أرضه» . بنحو ما تقدم عن أُبَيّ رضي الله تعالى عنه، فزيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحد فقهاء الصحابة، مات سنة أربع وخمسين.

مناسبة الأثر للباب: بيان أن الإيمان بالقدر حتم لازم، وأنه هو الذي رواه الصحابة عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، لو لم تأخذ من هذا الأثر إلا تواطأ الصحابة على هذا القول لكفاك حجة، لكون من لم يقر بذلك ليس بمسلم البتة.

وفيه الوعيد الشديد على من لم يؤمن بالقدر.

وفيه سؤال العلماء عمَّا أشكل من أمور الاعتقاد وغيره، لأنه قال: (في نفسي شيء) . فرجع إلى أهل العلم، إذًا هذا الأصل الذي يتبعه المسلم.

وفيه أن من واجب العلماء كشف الشبهات ونشر العلم بين الناس كما أجاب أولئك الصحابة.

قوله:(فيه مسائل:

الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر). هنا يُعَبِّر بعض أهل العلم كشيخ الإسلام وغيرهم، يُعَبِّرُون بالفرض ولا يُعَبِّرُون بالواجب لِمَا مر معنا أن ما كان ركنًا فالأصل فيه التعبير بالفرض، وهذا حسن، وإن كان في مقام الأصول والبحث أنه لا فرق بين الفرض والواجب، لكن من حيث الاستعمال ما كان فواته فواتًا للإيمان فهو فرضٌ لازم.

وهذا لقوله: ( «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» ) . آكد هذه الأمور ما كرر فيه ماذا؟ كرر فيه العامل، ( «وتؤمن» ) ما اكتفى بحرف العطف، أليس كذلك؟ ( «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر» ) لم يعد العامل ما قال: أن تؤمن بالله، وتؤمن بملائكته، وتؤمن برسله. وإنما ذكر ذلك مع الأخير الذي هو القضاء الذي هو القدر الإيمان بالقدر بخيره وشره لأن أكثر ما يقع النزاع أو حديث النفس في هذا النوع، ولذلك قال: ( «وتؤمن بالقدر خيره وشره» ) . فالإيمان فرضٌ، ومنه الإيمان بالقدر، ثم توكيد ذلك بإعادة العامل، ثم فهم الصحابة لقولهم: (لو كان لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر) . كل ذلك يدل على ماذا؟ على أنه فرضٌ حتم لازم فواته يُفَوِّتُ الإيمان من أصله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت