فهرس الكتاب

الصفحة 1998 من 2014

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن أنس رضي الله عنه، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» . رواه النسائي بسند جيد) . قوله: (أن ناسًا قالوا: يا رسول الله) هذا النداء هو الموافق للشرع فهو جائزٌ موافق لقوله تعالى {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63] (قالوا: يا رسول الله) لا إشكال فيه، هذا الذي جاء به الشرع، يا أيها النبي، يا أيها الرسول (يا خيرنا) الخير ضد الشر اسم تفضيل، والْخِيَرَة من القوم الأفضل، وهو - صلى الله عليه وسلم - خيار من خيار، فهو خيرهم نسبًا ومقامًا وحالًا، وهذا لا إشكال فيه، (وابن خيرنا) أنت خيرنا لا إشكال فيه، لكن (وابن خيرنا) هذا يجب تقيده، يعني وابن خيرنا في النسب فقط، يعني ليست الخيرية هنا خيرية في الدين لأن وَالِدَيْنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - والأجداد ليسوا مسلمين، فإذا كان كذلك فحينئذٍ نقول: (وابن خيرنا) أي في النسب لا في المقام والحال، وكذلك يقال في قولهم: (وابن سيدنا) قال: (وسيدنا) يا سيدنا بالنصب (وابن سيدنا) كذلك (ابن سيدنا) ليس [فيه] في النسب فقط (فقال: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان) أي لا يستميلنكم الشيطان، يعني لا تميل، يطلب منكم الميل فتميلوا معه، يأتي باللفظ المباح ثم يتدرج به إلى المحرم، فقولوا: بعض قولكم. أو يذهب بعقولكم أو يُزين لكم هواكم كره ذلك لهم لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء، إذًا من باب سدّ الذرايع، هذا وجه كون ماذا؟ حماية للتوحيد في القول، وتقدم قوله - صلى الله عليه وسلم: («لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ) ونهى عن المدح وشدَّد القول فيه كقوله لمن مدح إنسان: «ويلك قطعت عنق صاحبك» . وقال: «إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» . أخرجه مسلم عن المقداد بن أسود. فمواجهة الممدوح بمدحه ولو بما فيه من عمل الشيطان، يعني من الأشياء المنهية التي جاء الشرع بالنهي عنها لِمَا قد تفضي محبة المدح إليه من تعاظم الممدوح في نفسه فتنة، يعني قد يحب المدح فيرى أن من لم يمدحه قد تَنَقَّصَهُ هذا باطن، إذا ما قال له يا فلان أنت طالب علم .. إلى آخره، قال: هذا تَنَقَّصَني، وإذا تنقصني حينئذٍ يكون أساء إليَّ، وتبدأ المناظرات، وذلك ينافي كمال التوحيد، ويُوقع في أمر عظيم يُنافي العبودية الخاصة، إذ مقام العبودية يقتضي كراهة المدح رأسًا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن يُمْدَحَ صيانة لهذا المقام ولو بالشيء المباح، ولذلك قلنا فيما سبق أن الألفاظ مباحة، ولكن كَرِهَ الإطراء، وإرشادًا للأمة إلى ترك ذلك نصحًا لهم وحماية لمقام التوحيد عن أن يُدخله ما يُفسده أو يُضعفه من الشرك ووسائله.

قوله: ( «أنا محمد» ) هذا علمٌ اسمه - صلى الله عليه وسلم -، محمد رسول الله ( «أنا محمد، عبد الله ورسوله» ) ،وصفان ( «محمد» ) اسمه - صلى الله عليه وسلم -، و ( «عبد الله ورسوله» ) هذا وصفان له، فأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، فقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه ( «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» ) أي لا أحب ( «ما أحب» ) ما نافية بمعنى لا. لا أحب أن ترفعوني لا أحب رفعكم أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر ( «ما أحب أن ترفعوني» ) يعني لا أحب رفعكم إياي فوق منزلتي لا في الألفاظ ولا في الألقاب ولا في الأحوال، ( «التي أنزلني الله» ) إيَّاها، فيه أن الفضل من الله ذاتًا ومنزلة ( «التي أنزلني الله» ) إيَّاها فلم يحب - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعوه فوق ما أنزله الله عز وجل من المنزلة التي رضيها له ومع هذا التواضع أجمع أهل العلم على أنه أشرف الخلق وأفضلهم على الإطلاق، منع هذه الأقوال حماية لجناب التوحيد. رواه النسائي بسند جيد، وكذلك أحمد وعبد بن حميد وغيرهما.

مناسبة الحديث للباب كسابقه فيه النهي أن يُمْدَحَ بغير ما وصفه الله به صيانة للتوحيد وسدًّا لباب الغلو المفضي إلى الشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت