فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 2014

قال النووي رحمه الله تعالى: هذا حديث عظيم جليل الموقع وهو أجمع - أو من أجمع - الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه - صلى الله عليه وسلم - جمع فيه ما يُخرج من ملل الكفر. هذا لمن كان كفره أصلي حينئذ لا يكون آتيًا بالإسلام على الوجه الصحيح إلا إذا اعترف بهذه الخمس، فإن كان نصرانيًّا يعتقد الألوهية في عيسى فلا بد أن يأتي بماذا؟ بشهادة أن عيسى عبد الله ورسوله ولا تكفيه الشهادة الأولي لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يكفي هذا حتى يأتي بما بعده، لذلك قال: فإنه - صلى الله عليه وسلم - جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحرف على ما يُباين به جميعهم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى.

مراده أن هذا الحديث جمع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من أصول الدين التي يكون فيها الذي جاء بهذا المعتقد مباينًا ومخالفًا لملل الكفر، فإن كان هو على ملة من هذه الملل وهو معتقد لنقيض ما ذكره في هذا الحديث فلا يعتبر مسلمًا حتى يأتي به، ولا يكون قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله حاكمًا عليه بالإسلام فلا يكفي هذا.

قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «من شهد» ) . من هذه اسم شرط وهو يفيد العموم وهذه الجملة كما ذكرت آنفًا نأتي عليه من جهة العموم ( «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ) . هذه سيعقد لها المصنف بابًا خاصًّا فلا نحتاج إلى النظر في مفرداتها، بل البحث سيكون هناك بإذن الله تعالى. ( «من شهد أن لا إله إلا الله» ) يعنى من تكلم بهذه الكلمة وهي لا إله إلا الله عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا فإن الشهادة، شَهِدَ أَشْهَدُ يَشْهَدُ هذه ليست لفظًا فحسب، وإنما لها دلالة من جهة المعنى ومن جهة المعتقد فلا يكون شاهدًا أو لا تكون الشهادة شهادة حقيقية إلا إذا كانت مسبوقة بعلم، وأمّا إذا لم يكن كذلك حينئذ يكون كذبًا، إذا ادَّعَى أنه يشهد حينئذ يُخبر عما في قلبه وقد نطق به لسانه، فإن تواطأ وأخبر وأقرّ بما وقع في قلبه حينئذ سُمِّيَ شهادة مع التطابق تطابق اللفظ لِمَا في القلب، فإن اختلفا فلا يكون ذلك شهادة بل هو كذب كما سيأتي في محله، فإن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به ولا بد أن يكون سابقًا، فلو كان عن جهل لم تكن شهادة، لو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا يعرف معناها لا نقول: بأنه آتى بالشهادة. ولو رَدَّدَهَا ألف مرة، لماذا؟ لأن الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا كان عارفًا لمعناها، يعنى معنى هذه الكلمة ما المراد بها؟ لا معبود بحق إلا الله، إن اعتقد هذا المعنى حينئذ نقول: آتي بالشهادة، إن لم يكن كذلك حينئذ لا نحكم عليه بأنه أتى بالشهادة لأن شَهِدَ، النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَّقَ الحكم هنا على كونه شاهدًا ولا يعتبر شاهدًا إلا إذا تواطأ القلب مع اللسان، إذًا الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا كان عالِمًا بالمشهود به، فلو كان عن جهل لم تكن شهادة.

وتقتضي الصدق فلو لم يكن مطابقًا اللفظ لِمَا في قلبه حينئذ لا يكون صادقًا فتكون الشهادة منتقضة. وتقتضي العمل بذلك، فلا بد حينئذ من ثلاثة أمور مأخوذة من ( «شَهِدَ» ) :

العلم، والصدق، والعمل.

العلم والعمل والصدق.

بالعلم حينئذ يباين طريقة النصارى.

وبالعمل يباين طريقة اليهود.

وبالصدق يباين طريقة المنافقين.

فهذه الثلاثة طوائف هي شر الطوائف على وجه الأرض اليهود والنصارى والمنافقون بالعلم [يباين] طريقة النصارى، وبالعمل يباين طريقة اليهود، وبالصدق يباين طريقة المنافقين.

إذًا ( «شهد أن لا إله إلا الله» ) يعنى تكلم نطق لا بد من النطق ولا يكفى الاعتقاد بالقلب لا بد أن يجمع بين الأمرين أن ينطق بلسانه بمعنى أنه يتكلم بهذه اللفظة وأن يكون معتقدًا لمعناها عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، ومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، وسيأتي وجه الدلالة على هذا المعنى في محله، فدلالة لا إله إلا الله على لا معبود بحق إلا الله دلالة مطابقة، وهذا التفسير تفسير شرعي جاء به الكتاب والسنة، وقد أجمع عليه علماء السنة على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت