(باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) أي ولا عذاب، هذا نفي للحساب بأنواعه كما ذكرناه سابقًا، أما الحساب النقاش هذا قلنا: لا شك أنه منفي، وأما الحساب النوع الثاني وهذا قلنا فيه تفصيل على الظاهر أن من جاء النص فيهم وهم السبعون المتصفون بالصفات الآتية هذا بالنص، وما عداه فيبقى على الأصل، {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ... [الانشقاق: 8] هذا عام، خُصَّ منه السبعون حينئذٍ يبقى الباقي على ظاهره، هذا الظاهر (ولا عذاب) هذا كذلك فيه نكرة في سياق النفي فيعم يعني أنواع العذاب، سواء كان العذاب عند في القبر، كان بعد البعث من القبور، أو كان في النار فهو منفي، أما دخول النار فهذا واضح بَيّن، وأما العذاب في القبر وهذا النص يشمله لأنه قال: ( «بغير حساب ولا عذاب» ) ، وهذا عام، لأن العذاب قد يكون في القبر وقد يكون فيما بعد القبر، والنص إذا ورد عامًا حينئذٍ وجب حمله على جميع أفراده، ونقول: دلالة النص الشرعية دلت على ذلك، فمن حقق هذا الأوصاف الآتية ذكرها وكان من السبعين حينئذٍ نقول: لا يعذب في قبره، لكن نقول: لا يعذب في قبره وصفًا ونوعًا لا عينًا، بمعنى أنك لا تحكم على شخص بعينه زيد من الناس أنه لا يعذب في قبره، وإنما تقول: (من حقق) هذه الأوصاف الآتي ذكرها فهو من السبعين على جهة العموم، حينئذٍ نفى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون أصابه شيء من العذاب، وأما على جهة التعيين فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يُحكم على شخص بجنة أو نار إلا من حكم الله عز وجل أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه من أهل الجنة، أو بأنه من أهل النار، ولذلك جزم المصنف هنا قال: (باب من حقق التوحيد دخل الجنة) هذا جزم، ولم يقل: إن شاءا الله تعالى، وأما في شأن زيد وعبيد، هذا نقول: إن شاء الله تعالى أن يكون من أهل الجنة.
ثم ذكر المصنف في هذا الباب (باب من حقق) إلى آخره آيتين وحديثًا، كعادته رحمه الله تعالى يعتمد على نصوص الوحيين كما ذكرنا سابقًا أن دعوة الشيخ رحمه الله تعالى دعوة سلفية قائمة على الكتاب والسنة، وكل دعوة قائمة على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فهي دعوة سلفية، وليست الدعوة السلفية خاصة بزمن دون زمن، أو خاصة بشخص دون شخص، وإنما هي وصف، يعني كل من اتبع الكتاب والسنة، وفهم الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فهو سلفي سواء نطق وسمّى نفسه بذلك أو لم يُسَمِّ نفسه بذلك، والتسمية حينئذٍ إذا لم تبن على الحقيقة فهي هواء، يعني إذا قال بأنه سلفي ولم يكن في التوحيد على الجادة في فهم السلف ما نفعه تلك الألفاظ، لو سمّى نفسه بأنه من أهل السنة والجماعة أو أنه الأثري السلفي وهو عنده خلط في باب المعتقد نقول: هذه الأسماء كلها لا تسمن ولا تغني من جوع، إذا العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، ولذلك لم يرد في الكتاب والسنة إلا أوصاف معينة الإسلام، وإيمان، وإحسان. وفي مفهوم هذه الألفاظ فهم سلفيّ من وافق فهم السلف أصاب، ومن خالف فهو خلفيّ وليس بسلفيّ.
وذكر المصنف كما ذكرنا آيتين وحديثًا، وفي هاتين الآيتين والحديث الإشارة إلى تحقيق التوحيد، وأنه لا يكون إلا في انتفاء الشرك كله دقيقه وجله.
الآية الأول: قوله تعالى: ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة النحل: 120] ) هنا لم يقل الآية، قال بعضهم: لم يكمل الآية لأنه أراد الشاهد من قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) وهنا لا نقول: لم يقل الآية، بل الآية قد انتهت، وأما الأوصاف الأخرى. {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} [النحل: 121] .. إلى آخره فهي آية أخرى، وإذا انتهى الشاهد حينئذٍ لا نحتاج أن يقول المصنف: الآية، حينئذٍ كونه ترك قوله: الآية. لأنه حصل المقصود عنده بالوجود أوصاف ثبوتية وأوصاف سلبية، لذلك قال: ( {كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا} ) ، ( {أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ} ) هذه صفات ثبوتية يعني إثبات الشيء، ( {حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) هذه صفات سلبية لأنها نفي متضمنة للنفي ( {حَنِيفًا} ) متضمنًا للنفي من جهة المعنى، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) هذا صريح في النفي. حينئذٍ جاء بالإثبات والنفي.