وتحقيق التوحيد لا يكون إلا بالعمل بمدلول (لا إله إلا الله) ، يعني مدلول الشهادتين كما ذكرناه، حينئذٍ لا شك أن الشهادتين فيهما إثبات، وفيهما نفي، فكانت المناسبة في ذلك. إذًا لم يقل: الآية. لأن الآية أيضًا قد انتهت، ولم يكن ثَمَّ حاجة إلى ذكر الأوصاف الآتية {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ} .. إلى آخره، وإنما ما ذكره فيه كفاية في الإشارة إلى أن إبراهيم عليه السلام إنما نال ما نال من كونه أمة، وأثنى الله عز وجل عليه ما نال ذلك لكون من المحققين للتوحيد.
قيل: اقتصر المصنف هنا على هذا ولم يرد الآية، والصواب أن يقال: لم يرد ما بعد الآية، يعني لم يرد الآيات الواردة في شأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإنما أراد آخرها، وهو قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) . إذا فيه نفي كونه من المشركين. وهذا قال بعض المعاصرين أن مراد المصنف رحمه الله تعالى من هذه الآية في كونها مناسبة للباب قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) . وهذا فيه نظر، لأن لم يك من المشركين نفي محض، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يرد السؤال: هل تحقيق التوحيد .. في النفي أم ثَمَّ أشياء وجودية وتستلزم النفي؟
لا شك أنه الثاني، حينئذٍ تحقيق التوحيد عرفنا أن التوحيد المراد به الشهادتان، والشهادتان فيهما نفي وإثبات، إذا لا يمكن أن يتحقق التوحيد إلا بمجموع الأمرين، لا يمكن أن يتحقق بالإثبات لأن الإثبات ليس بتوحيد، ولا يمكن أن يتحقق بالنفي لأن النفي ليس بتوحيد، وركنا التوحيد كما سبق معنا أنه لا بد من الإثبات والنفي، حينئذٍ قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) هذا جزء من تحقيق التوحيد وليس هو المراد، وكون المصنف رحمه الله تعالى ذكر في المسألة، المسائل الآتي ذكرها أنه استنبط من هذه الآية المسألة الثالثة ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين، قد فهم البعض أن المصنف أراد هذا الشاهد، ولكن ليس كما ذكر، لأن المصنف قد يذكر بعض فوائد في المسائل، وقد يترك بعضًا آخر.
مفردات الآية: ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} ) ، ( {إِنَّ} ) هذا حرف توكيد وأكدَّ الخبر هنا فيه رد على طائفة من المشركين ومنهم مشركو قريش في دعواهم أنهم على ملة إبراهيم، وكل من اليهود والنصارى، وكذلك مشركو العرب يدَّعِي أنه على ملة إبراهيم، وكما ذكرنا سابقًا الدعوى والانتساب اللفظي لا يكفي، لا بد من معرفة حقائق الأمور. فضلًا على ملة إبراهيم تقول: ما هي ملة إبراهيم؟ هل هي الشرك؟ هل هي عبادة الأصنام؟
الجواب: لا. فكونك تنتسب إلى ملة إبراهيم ولم تكن محقِّقًا للمعاني التي دلت عليها ملة إبراهيم هذه النسبة ليست بكافية، ولن تكون النجاة على مجرد الألفاظ، وإنما هي حقائق فلا بد من الوقوف على المعاني. وصف الله تعالى إبراهيم بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، والصفة الأولى: كونه أمّة. أشار إليه بقوله: ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ) كان ولا زال، فكان هنا منزوعة الزمن، لأن إبراهيم عليه السلام أمة يعني قدوة ويُقْتَدَى به في كل عصر ومصر حينئذٍ نقول: ليست الكينونة هنا دالة على زمن معين.
( {كَانَ أُمَّةً} ) جاء في (( الكشاف ) ): فيه وجهان:
أحدهما: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع الصفات، صفات الخير، كقوله:
ليس على الله بمستنكر ... أن يَجْمَعَ العالَمَ في واحد
وعن مجاهد: كان مؤمنًا وحده، والناس كلهم كفار. كان مؤمنًا - يعني إبراهيم عليه السلام - وحده، والناس كلهم كفار. ورجح بعضهم هذا القول لقوله فيما بعد {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ... [النحل: 123] ، {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أي كان أمة تؤمه الناس ليقتبسوا منه الخيرات ويكتفوا بآثاره المباركات حتى أنت على جلالة قدرك قد أوحينا إليك أن اتبع ملته، ووافق سيرته.