والثاني، الوجه الثاني: أن يكون أمة بمعنى مأموم. أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم به، فهو فُعْلَة بمعنى مفعول. هكذا جوَّزه الزمخشري في (( الكشاف ) )فُعْلَة بمعنى مفعول، وإن كان قليل أن يأتي فُعْلَة بمعنى مفعول. فيكون مثل قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] ، ولا شك أن النظر في هذين القولين يجعل القول الراجح، وإن رجح بعضهم أحد النظرين يجعل أن قول الراجح في هذه المعاني أن الآية محمولة على النوعين، فهو أمّة بمعنى أنه أُسوة ومعلم للخير، وأنه يُقْتدَى به في جميع الصفات صفات الخير، وكذلك هو إمام ولا تنافي بين القولين.
قال البغوي: قال ابن مسعود: الأمة معلم الخير. أي كان معلمًا للخير، يعني إبراهيم كان معلمًا للخير يأتم به أهل الدنيا، فقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة. وهذا قول ابن مسعود واضح أنه جمع بين الأمرين، معلم الخير، كان معلمًا للخير يأتم به أهل الدنيا، وهذا المراد به أنه مؤتم به، إمام، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة. إذًا هذا واضح بيِّن أنه رأي ابن مسعود أنه يحمل هذا اللفظ على المعنيين، وهذا هو الظاهر، القاعدة في باب التفسير أنه إذا لم يكن ثَمَّ تفسير جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واحتمل اللفظ عدة معانٍ ولا تعارض بين هذه المعاني حينئذٍ يُحمل على العموم، يشمل كل المعاني، لأن القرآن جاء ماذا؟ جاء ليكون هُدى للناس، حينئذٍ كل معنى يصلح أن يدخل تحت لفظ من ألفاظه ولم يكن معارضًا للشر، ولم يكن ثَمَّ تنافي ويحتمله اللفظ لا نأتي بأشياء كما يفعل البعض هنا الإعجاز العلمي ونحوه، يأتي يحمل القرآن ما يحتمل، اللفظ في لسان العرب لا بد أن يكون مُرَاعى، فإذا دل اللفظ في لسان العرب لا بد من هذا القيد دل على معانٍ متعددة ولا تنافي بينها ولم يخص الشرع اللفظ بلفظ دون آخر حينئذٍ يُحمل على على هذه المعاني كلها، وليس المراد أنه كلما أراد أن يتشبث بلفظ ليُدخل تحته معنى من المعاني وخاصة المعاني العصرية حينئذٍ يكون له ذلك، لا، هذا يكون من التفسير البدعي بأن يأتي بأشياء ولو سُلِّم بها من جهة الشرع، ولكنها في الشرع لكن لا يلزم أن يدل عليها الشرع، حينئذٍ نقول: لا عبرة بهذا التفسير ولا يُنسب إلى الكتاب والسنة.
قال ابن مسعود: الأمة معلم الخير. أي كان معلمًا للخير يأتم به أهل الدنيا، قد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة.
قال مجاهد: كان مؤمنًا وحده، والناس كلهم كفار. قال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه وينتسبون إليه ولو في الظاهر. وينتسبون إليه بأنهم على ملة إبراهيم، كما هو شأن مشركي العرب، وقول ابن مسعود أظهر أنه كان أمة أي قدوة وإمامًا ومعلمًا للخير، وإمامًا يُقْتدَى به.
قال في (( التيسير ) ): وما كان كذلك إلا لتكميله [مقام الصدق] [1] مقام الصبر واليقين. وما كان كذلك - إبراهيم يعني أمة - إلا لتكميله مقام الصبر واليقين اللذين بهما تُنال الإمامة في الدين كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] بالصبر واليقين تُنال الإمامة للدين كما قال الثوري وغيره.
قال ابن القاسم: والقولان متلازمان، وهما أنه إمام يُقْتدَى به معلمًا للخير، أو لِمَا اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، فالقولان متلازمان فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء يقتدون به في ذلك.
إذًا يُحمل اللفظ على المعنيين بأنه جامع لجميع صفات الخير التي تكون في أمة من الأمم وكذلك هو إمام يقتدي به الأنبياء ومن تبعهم.
(1) سبق.