فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 2014

الصفة الثانية: قوله ( {قَانِتًا لِلّهِ} ) أي خاشعًا مطيعًا، دائمًا على عبادته وطاعته، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: القنوت في اللغة دوام الطاعة. يعني الاستقامة استمرار على الطاعة لأن الشخص قد يكون على طاعة ولكنه لا يدوم عليها، هذا نقص كونه يكون على طاعة ثُمَّ لا يستمر عليها، هذا نقص، والأكمل من ذلك أن يكون على طاعة ثُمَّ يُداوم على تلك الطاعة. وإبراهيم عليه السلام جمع بين الأمرين. قال ابن تيمية: القنوت في اللغة دوام الطاعة. وفي (( المفردات ) ): القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع. زاد عليه معنى الخضوع، لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسِّر بكل واحدٍ منهما في قوله: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، وقوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] ، {كُلٌّ لَّهُ} كل الناس {لَّهُ} جل وعلا {قَانِتُونَ} . قيل: خاضعون، وقيل: طائعون. يعني فُرِّقَ بينهما في هذا الموضع، وإلا الأصل أن القنوت هو لزوم الطاعة مع الخضوع لا بد أن من الجمع بين الأمرين، لكن في بعض المواضع في تفسير القرآن، وصاحب المفردات يعتني بالاختلاف الوارد في ألفاظ القرآن، ولذلك هو معجم ليس لمطلق اللغة، وإنما للمفردات الواردة في القرآن، ولذلك يأتي بالمعنى ويسرد تحته من الآيات ما يكاد يجعله تفسيرًا وليس بمعجم، ولذلك يعتني به طالب العلم مفيد جدًا في باب التفسير، ولذلك جعله بعضهم أن يكون ديدنًا مع الطالب يعني يقرؤوه صباح مساء لأنه لا يذكر إلا الأقوال التي يعتمدها أرباب التفسير، مثله ما صنع السيوطي رحمه الله تعالى في (( تفسير الجلالين ) (( تفسير الجلالين ) )على صغر حجمه أتى بمعنى أو بلفظ يشترك فيه كل قول ذُكرت في هذه الآية، ويأتي مثل ( {أُمَّةً} ) هنا في قول ابن مسعود، قال مجاهد، قال قتادة، يحاول هو سيبويه زمانه، يعني إمام في اللغة، ولن يعجزه شيء من ذلك بإذن الله تعالى، فيأتي إلى الأقوال فينظر فيها فيقتبس معنى مشترك فيُعَبِّرُ عنه بلفظ يضعه في ذلك الموضع، ترى كلمة واحدة قد يجتمع تحتها أقوال متعددة بناءً على هذه القاعدة، أنه إذا تعددت المعاني ولم يكن ثَمَّ تعارض بينها حينئذٍ يُحمل اللفظ القرآني على تلك المعاني كلها، فيأتي بلفظة تشمل هذه المعاني كلها أو أكثرها على قدرته واستطاعته فيضعها في ذلك الموضع، لكنه أشعريّ.

قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون. و (( حاشية الجمل ) )أتمت النقص الذي فيه. وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون. ولم يُعن به كل السكوت وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي قرآن وتسبيح» . يعني السكوت ليس مطلق السكوت، {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} يعني ساكتون. ولا يقرأ فاتحة ولا يُسبح؟ لا، والمراد به السكوت عمَّا لم يرد الأذن به وهو الذكر، وليس مُطلق الذكر، وإنما ذكر خاص، ولذلك لو سمع المؤذن لا يجيب؟ لماذا؟ لأن المخصوص في مثل هذه الآية {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي ساكتون، فالأصل السكوت، حينئذٍ ما جاء الدليل بالأذن ذكره من قراءة الفاتحة وما بعدها، والتسبيح والتشهد ونحو ذلك اقتصر عليه، ولم يرد أنه يجيب المؤذن وهو يصلي حينئذٍ نبقى على الأصل، خلافًا لِما ذهب إليه ابن تيمية وغيره رحمه الله تعالى.

إذًا القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، هذا الأصل وقد يُفسر في بعض المواضع بواحد من النوعين، إما لزوم الطاعة، وإما الخضوع. قال ابن تيمية: والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت في ذلك كله. يعني إذا أطال العبادة إذا كانت تحتمل الإطالة حينئذٍ يُسمَّى قانتًا، ولذلك قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} السجود والقيام في قيام الليل الأصل فيه الإطالة، ولذلك عُبّر عنه بالقنوت. {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} . قال بعدها: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} . قال أهل العلم في ذكر هذه الجزئية {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} [الزمر: 9] ، ثم بعد ذلك أردفه بقوله: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} الذين من صفتهم القنوت بمعنى أنهم دائمون في السجود والقيام لله تعالى في آناء الليل فجعله قانتًا في حال السجود والقيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت