فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 2014

قال البغوي: ( {قَانِتًا لِلّهِ} ) مطيعًا له. وقيل: قائمًا بأوامر الله تعالى، ولا تعارض بين القولين، بل هو مطيع لله جل وعلا، وقائم بأوامر الله تعالى.

وفي (( التيسير ) ): فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه أولًا علمًا وعملًا، وثانيًا دعوة وتعليمًا واقتداء به. وما كان يُقتدى به إلا لعمله به في نفسه، ووصفه بالثانية للاستقامة على ذلك، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] تضمنت العلم والعمل والاستقامة والدعوة. ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ) . قلنا: معلمًا للخير لما استجمع من صفات الخير ويقتدى به، وهذا يستلزم ماذا؟ العلم والعمل والدعوة.

( {قَانِتًا لِلّهِ} ) الصفة الثانية: الاستقامة على ذلك. يعني المداومة على العلم وعلى العمل وعلى الدعوة إلى الله عز وجل، فهاتان الصفتان هي الغاية في تحقيق التوحيد.

الصفة الثالثة: ( {حَنِيفًا} ) . والحنف حنيف فَعِيل مأخوذ من الحنف، والحنف في اللغة الأصل الميل، يقال: فلان في رجليه حنف، يعني ميل، الحنف هو ميل. قال في (( المفردات ) ): الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة. إذًا ميل خاص، وعبَّر هنا أو تعبيره هنا ليس كتعبير أرباب القواميس العامة، هناك يقولون: الحنيف مأخوذ من الحنف، وهو الميل، يقال: فلان رجليه حنف أو ميل. وهنا خصَّه لأن هذا المعنى فلان في رجليه حنف لا علاقة بالكتاب السنة برجليه، وإنما المراد الميل عن الضلال إلى الحق، فحينئذٍ عبَّر بمعنى يُناسب الكتاب والسنة، وهذه من فوائد (( المفردات ) )يعني إذا كان بحثك في الشرعيات تريد كلمة تريد نص في سنة نبوية، وتريد تعرف المعنى حينئذٍ ترجع إلى (( المفردات ) )، لكن انتبه عنده شيء من التأويل.

الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال، عكس الحنف جنف، والحنيف هو المائل إلى ذلك، وجمعه حُنفاء، يقال تحنَّف فلان أي تحرى طريق الاستقامة. وقال البغوي: ( {حَنِيفًا} ) . مسلمًا مستقيمًا على دين الإسلام، وقيل: مخلصًا. ولا تنافي، الاختلاف الموجود بين المفسرين في كثير من مواضعهم هو اختلاف تنوع، وخاصة في كلام السلف من الصحابة والتابعين.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الحنيف المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه. ( {حَنِيفًا} ) المراد به هنا أي مائلًا منحرفًا قصدًا عن الشرك كما قال الله تعالى حكاية عنه: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] . ( {حَنِيفًا} ) أي مائلًا عن الشرك قصدًا إلى التوحيد. وأكَّده بقوله: {وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

إذًا ( {حَنِيفًا} ) فيه نفي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، إذًا لست من المشركين، فهو في قوله في قوة قوله: {وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، وفي قوة قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) .

الصفة الرابعة المذكورة في هذه الآية وهي قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) هذا تصريح بالمفهوم المضمون من قوله: ( {حَنِيفًا} ) ولذلك هو تأكيد، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) ، ولم يكن يكُ أصلها يكن على حذف النون تخفيفًا.

ومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم

( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) هذه الجملة عطف على خبر ( {إِنَّ} ) ، ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} ) ، ( {إِنَّ} ) حرف توكيد ونصب، ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} ) اسم ( {إِنَّ} ) كان فعل ماضٍ ناقص يفتقر إلى اسم وخبر، والاسم ضمير مستتر يعود على إبراهيم، وأمة هذا خبر أول لكان، ( {قَانِتًا} ) خبر ثانٍ لكان، ( {لِلّهِ} ) متعلق بـ ( {قَانِتًا} ) ، ( {حَنِيفًا} ) خبر ثالث، وهذه ثلاثة أخبار، جاء بالواو، لو لم يأت بالواو لقلنا: ما بعدها خبر رابع، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) جملة في محل رفع عطفًا على كان، لأن جملة كان خبر ( {إِنَّ} ) ، كان وما بعدها في محل رفع خبر ( {إِنَّ} ) ، ( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} ) أين الخبر؟ ( {كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ} ) ، وهذه الأخبار الثلاثة مع اسم كان نقول: في موضع رفع خبر ( {إِنَّ} ) ، جملة ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) في محل رفع عطف على ( {كَانَ أُمَّةً} ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت