فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 2014

قال في (( التيسير ) ): ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) أي هو موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا، وإذا عبَّر أهل العلم بشوائب الشرك هذا يعم الشرك بنوعيه، ومن زاد ثالثًا وهو الشرك الخفيّ، كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب حيث التقسيم عنده ثلاثي شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفيّ. والصحيح أن القسمة ثنائية شرك أكبر وشرك أصغر، والخفي وصف لهما، إذًا الشرك الأكبر قد يكون ظاهرًا كالسجود للصنم ونحو ذلك، وقد يكون خفيًّا متعلقه القلب يعني لا يظهر للناس، وكذلك الشرك الأصغر قد يكون ظاهرًا وقد يكون خفيًّا. حينئذٍ إن رجع الوصف بالخفاء لكلا النوعين. فالشرك الأكبر منه ظاهر ومنه خفيّ، والشرك الأصغر منه ظاهر ومنه خفيّ. وهذا واضح أنه داخل في الشرك. شوائب الشرك يشمل ماذا؟ البدع بأنواعها، وأعني بأنواعها الاعتقادية والقولية والعملية، ويشمل الإصرار على المعاصي، وخاصة علة قول من يرى أن الشرك قد يُطلق ويراد به الجنس، فيشمل حينئذٍ المعاصي بأنواعها.

قال هنا: أي هو موحد - يعني إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين، هل هذا النفي محض، أم يراد إثبات ضدّه؟ ها ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) لماذا؟ لكونه موحدًا. إذًا القسمة ثنائية إما هذا وإما ذاك، أما لم يكن من المشركين، ثم يأتي نفي الشرك على جهة العموم ولا يكون موحدًا، هذا لا وجود له في الواقع، إذا انتفى الشرك بحذافيره حينئذٍ ثبت التوحيد بكماله، أليس كذلك؟ إذًا ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) نقول: هذا نفي مراد لغيره، لأن إبراهيم عليه السلام هو من أولي العزم، وهو معصوم عن الوقوع في الشرك، أليس كذلك؟ ومع ذلك جاءت مواضع كثيرة في نفي الشرك عن إبراهيم، ما المراد هل هو لبيان واقع؟ أو للاحتراز؟ أو لبيان كمال ضده؟

نقول: الثالث، وهو أنه نُفِيَ عنه الشرك لكونه قائمًا بالتوحيد على أكمل الوجوه، لأن الصيغة التي جاءت بنفي الشرك على أكمل أنواع النفي ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) ، لم يك اللام حرف نفي، وقوله ... ( {الْمُشْرِكِينَ} ) هذا جمع مذكر سالم ومفرده مشرك وهو اسم فاعل، واسم الفاعل يدل على ذات ووصف، وإذا دخلت (أل) على اسم الفاعل كانت موصولة.

وصفة صريحة صلة أل

وهذه من صيغ العموم، إذًا إبراهيم عليه السلام لم يكن من المشركين مطلقًا، لا من أشرك شركًا أكبر ولا من أشرك شركًا أصغر، ولا من أشرك شركًا خفيًّا، وهنا نُعبر بإشراك، من أشرك لماذا؟ لأن النظر هنا إلى الذات، هنا ليس الحكم كما في قوله: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ} ) . ( {وَلاَ تُشْرِكُواْ} ) هناك نفي الشرك نفسه، وهنا نفي لإبراهيم أن يكون من المشركين، يعني مصاحبًا ومجالسًا لأرباب الشرك، فالنظر فيه إلى الذات أصالة، وإلى الشرك تبعًا، ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ... [سورة النساء: 36] ) النظر في إلى الشرك أصالة وإلى الذوات تبعًا. إذًا قوله: أي هو موحد خالص من شوائب الشرك مطلقًا. فنفى عنه الشرك على أبلغ وجوه النفي، من حيث لا ينسب إليه شرك وإن قل تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وهذا هو السر في توكيد الخبر هنا، لماذا أُكِّد؟ لأن لا بد من فائدة لا بد من نكتة، والنكتة هنا في الرد على قريش ومن نحى نحوهم في كونهم ادَّعوا وزعموا كذبًا وزورًا أنهم على ملة إبراهيم. إذ لو كانوا كذلك لكانوا مثله، بأنه لم يكن من المشركين وهم قد انغمسوا في وحل الشرك وعبادة الأصنام.

إذًا قوله: فنفى عنه الشرك على أبلغ وجوه النفي، لأنه جاء بصيغة العموم، وهي (أل) الداخلة على الوصف، وهي موصولة، والموصولات من صيغ العموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت