فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 2014

وفي (( الفتح ) ): ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) أي في صحة إخلاصه وكمال صدقه وبعده عن الشرك. انظر نظروا إلى المعنى من جهة إثبات ضد ما نُفِيَ، لك يكن من المشركين لكمال إخلاصه، ولصحة إخلاصه وكمال صدقه. وهناك قال: إذ موحد خالص من شوائب الشرك. إذًا ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) حيث فارقهم بالقلب وباللسان وبالبدن. إذ النظر هنا إلى أرباب الشرك لم يكن معهم لا بقلبه ولا بلسانه ولا ببدنه، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك وما ذاك إلا من أجل تحقيقه للتوحيد عليه الصلاة والسلام، فانضم إلى ذلك البراءة من المشركين وكفرهم كما قال تعالى عنهم: {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] ، {إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ} [الممتحنة: 4] فتبرأ من العابد قبل المعبود، لأن العابد فتنته أعظم، قد يُسول إليك، وقد يُزين إليك الشرك والكفر، أما المعبود فالأصل فيه أنه صنم لا يتكلم لا يسمع ولا يبصر، فضرره مأمون من هذه الجهة، وأما العابد فهذا فتنته أعظم. بل وضم إلى ذلك أن اعتزلهم فلم يكن منهم بأي اعتبار كان، حيث قال لأبيه آزر: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [مريم: 48] . إلى قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [مريم: 49] . فهذا هو تحقيق التوحيد وهو البراءة من الشرك وأهله واعتزالهم والكفر بهم وعداوتهم وبغضهم. إذًا جاء بكل أصناف التبري من المشركين، لم يكن معهم لا بقلبه محبة وميلًا، ولا بلسانه في الدفاع عنهم أو الثناء عليهم، ولا ببدنه بكونه مجالسًا مخالطًا، مؤانسًا لهم. فهو تبرأ من المشركين بجميع أنواع التبري.

وبهذا تظهر مناسبة الآية للترجمة حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به. قد يقول قائل: هذا شأن إبراهيم، ونحن؟

نقول: نحن مأمورون، إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمورًا {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123] ، ونحن مأمورون بإتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ صرنا ماذا؟ صرنا مأمورين بإتباع ملة إبراهيم عليه السلام، ولك نصيب من الثناء بقدر تحقيقك لما تحقق به إبراهيم عليه السلام ( {أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا} ) ، وهذه ليست خاصة بإبراهيم عليه السلام فأنت تتحقق بهذه الصفات لتكون من أهل تحقيق التوحيد. حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4] أي على دينه من إخوانه المرسلين. قال المصنف في هذه الآية تفسيرها: إن إبراهيم كان أمة لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. يعني لا تبتأس ولا تحزن إذا كنت وحدك في الدعوة إلى التوحيد وإلى العمل بالتوحيد، فقد كان إبراهيم أمة، وكما سبق في قول مجاهد كان هو على الإيمان وحده والناس كلهم كفار. هل ضرَّه ذلك؟ لا، العبرة ليست بالكثرة، الحق لا يُعرف بالكثرة، وإنما يعرف بموافقة الكتاب والسنة، من وافق الكتاب والسنة فهو على الحق وإن كان وحده، ومن خالف الكتاب والسنة حينئذٍ حكمه عليه إما بدعة وإما بشرك وإما بنحو ذلك، وإن كثروا في كل زمان ومكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت