فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 2014

( {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. ( {قَانِتًا لِلّهِ} ) ، ( {لِلّهِ} ) هذا فيه تأكيد يعني إذا ذُكِرَ المعبود فيكون ماذا؟ يكون فيه تنصيصًا على الإخلاص، ( {قَانِتًا لِلّهِ} ) لا للملوك ولا للتجار المترفين، ولا لغيرهم مطلقًا، قد يكون المصنف راعى شيئًا في زمانه حينئذٍ لا تؤخذ هذه كقواعد عامة، إنما فسر ببعض الشيء، ذكر بعض الأفراد لا يلزم منه حصر دلالة اللفظ على ما ذُكِر، فكونه ( {قَانِتًا لِلّهِ} ) لا لغيره مطلقًا بقطع النظر عن التجار ولا ملوك ولا وزراء، لا للملوك وللتجار المترفين ( {حَنِيفًا} ) لا يميل يمينًا ولا شمالًا كفعل العلماء المفتونين، لأن بعض أهل العلم ليس كل من كان عالمًا فهو على الجادة، وليس الميزان في العلم أو الحكم على الشخص بكثرة ما عنده من علم؟ لا، ليس هذا هو الميزان، وإنما الميزان بكونه وافق الحق، وإن قلت محفوظاته وقل علمه، ومن خالف حينئذٍ وإن كثرت محفوظاته فلا يبتهج أو الإنسان تصيبه رهبة لكثرة محفوظات زيد أو عبيد وهو مع ذلك يكون من دعاة الشرك ونحو ذلك، فقد وجد من دعاة الشرك من يكون على الجادة في العلوم الشريعة سواء كانت علوم آلية أو مقاصد، لا يميل يمينًا ولا شمالًا كفعل العلماء المفتونين الذين يزينون للناس الشرك الأكبر، ويتأولون القرآن على ذلك وهم يزينون البدعة والانحراف عن المنهج الصحيح، وكل هؤلاء يعتبرون من المفتونين، فتنوا أنفسهم وفتنوا غيرهم.

( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) خلافًا لمن كثَّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين، هنا قصر مدلول اللفظ على شيء واحد، ولا شك أن قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) عام لا بقلبه ولا بلسانه ولا ببدنه، لكن المصنف هنا ذكر شيئًا واحدًا وهو كونه معهم ببدنه، حلافًا لمن كثر سوادهم يعني جالسهم وأحبهم وآنسهم وأكل معهم وشرب كأنه لم يكن ثَمَّ فرق بينه وبينهم، هذا فيه تكثير لسواد المشركين خلافًا لمن كثَّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين، وقد وصفه ربه بامتناعه عن الشرك استمرارًا في قوله: ( {حَنِيفًا} ) ، وابتداءً في قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) بدليل جعله إمامًا في العلم والعمل، ولا يجعل الله عز وجل للناس إمامًا من لم يحقق التوحيد أبدًا.

قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ} ) ، ( {مِنَ} ) هذه قيل: للتبعيض، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) لم يكن بعضًا منهم حينئذٍ صارت المجانبة والمباعدة هنا بالأجسام، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) يحتمل أنها بيانية، ليس من جنس المشركين، وهذه أعمّ، لكن على تفسير المصنف خلافًا لمن كثَّر سوادهم، تكثير السواد إنما يكون بالبدن، حينئذٍ يكون المعنى في ( {مِنَ} ) هنا أنها للتبعيض، لم يكن بعضًا منهم، والبعضية هنا تقتضي أن يكون مجالسًا لهم. ولكن ظاهر النص من حيث الدلالة اللغوية ( {مِنَ} ) هنا بيانية، لم يكن من جنس المشركين، وكون المصنف استدل بهذه الآية على بعض هذا له سلف أن يستدل بعض الأئمة الأعلام باللفظ العام والنص العام على بعض أفراده، هذا سيأتي في قول ابن مسعود وغيره {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] استدل به على الشرك الأصغر. نقول: الآية عامة للنوعين، حينئذٍ الاستدلال به يكون من الاستدلال بالعام على بعض أفراده. وقوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) خلافًا لمن كثَّر سوادهم فاعتبر ( {مِنَ} ) هنا للتبعيض لا يلزم ذلك، وإنما تكون ( {مِنَ} ) بيانية ويكون بالاستدلال بالعام على بعض الأفراد، وهذا له سلف.

مسألة: هل مقصود المصنف هنا في هذه الآية الصفة الأخيرة فقط، أم كل الصفات المذكورة؟

هذا أجبنا عليه، وقد ذكر بعض من شرح الكتاب بأن المراد هو الصفة الأخيرة، وهذا ليس بجيد، لأن تحقيق التوحيد يكون بأمور ثبوتية لا بد من وجودها، لا بد من النطق بـ (لا إله إلا الله) هذا ليس بنفي، ولا بد من تحقيق معاني شروط (لا إله إلا الله) وهذه كلها وجودية، والبراءة من الشرك وأهله وبغضهم هذه أمور عدمية، حينئذٍ لا بد من الجمع بين المرين، ولا يكون محققًا إلا بذلك، قد يقول قائل: نحن الآن ليس الحديث في أصل التوحيد وإنما في تحقيق التوحيد، وفرق بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت