فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 2014

نقول: تحقيق التوحيد يكون بالإثبات، والإثبات هذا على درجتين: منها ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. ولذلك الإخلاص واليقين والصدق التي تعتبر من شروط (لا إله إلا الله) منها ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، حينئذٍ يجمع بين الأمرين فلا بد من الثبوت، ولا بد من النفي.

قيل: أراد آخرها وهو نفي الشرك، للمسألة الثالثة واردة في مسائل الباب، وهذا فيه قصور، إذ النفي عدم، وما قبله وجود ولا بد منهما في تحقيق التوحيد.

مسألة: قيل في تفسير المصنف للآية يشعر بأنه لم يرد كل النفي لقوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) ، وإنما نفى تكثير سوادهم، ويقصد به مجالستهم ومخالطتهم مخالطة صداقة، وأُنْس والسكنى معهم كذلك وعدم هجرهم والإقامة بين ظهرانيهم، فهذا هو المقصود بمسألة تكثير السواد، وهو الذي أراد المصنف في هذا الباب بالذات. وإن أراده المصنف، لكنه لا يُعارض دلالة الآية على العموم، فالآية عامة ويُستدل بها على المفارقة بالقلب واللسان وبالبدن، كون المصنف أراد به شيئًا معينًّا هذا يكون شيئًا خاصًا به في التصنيف، وهذا يحتاج إلى دلالة خارجية، وأما من حيث تحقيق التوحيد من حيث الحكم الشرعي، فالآية لا بد من الاستدلال بها على جهة العموم، ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) يعني مفارقًا لهم بقلبه، وهذا درجات منه ما هو قد يكون شركًا أكبر قد يكون دون ذلك، كذلك مفارقًا لهم بلسانه وهذا درجات كذلك، ومفارقًا لهم ببدنه، فالمراد بتحقيق التوحيد ألا يكون من المشركين البتة، ولذلك الشراح صاحب (( التيسير ) (( الفتح ) )حملوا الآية على عمومها، وهذا الفهم وإن كان قد يُسلم له لكنه يعتبر فهمًا خاصًّا بهذا الكتاب، لا بحكم شرعي، وإلا فالآية لها معانٍ أخرى، فليس منهم لا في الاعتقاد ولا في العمل ولكن هذه المعاني وإن كانت صحيحة فليست مقصودة في باب تحقيق التوحيد، بل هي من باب أصل التوحيد وهذا فيه نظر، ما قال بهذا البعض فيه نظر، إذ هذه لها درجتان، منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب كما سيأتي في شروط (لا إله إلا الله) ، وهي مسألة البراءة من المشركين وما يتعلق بها، وهذا أصل من أصول التوحيد وليس من أصول تحقيق التوحيد. إذًا لو قيل: بأن المصنف أراد بعضًا من مدلول قوله: ( {وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ) نقول: هذا يعتبر شيئًا خاصًّا بالمصنف من حيث التصنيف، وأما من حيث الحكم الشرعي فلا، فالآية باقية على عمومها.

وهذه الآية تصور مرتبة من مراتب تحقيق التوحيد فمن حققها فقد حقق مرتبة من مراتب التوحيد وهي ما اشتملت عليه هذه الصفات.

إذًا خلاصة مناسبة الآية للباب واضحة، وهي أن الله سبحانه وصف خليله إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أُمرنا بالاقتداء والتأسي به كما في قوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} يعني إخوانه من الأنبياء. والظاهر مراد المصنف كل الصفات المذكورة في هذه الآية، فبها يتحقق التوحيد، وليس في الجزئية الأخيرة هي لم يكن من المشركين، بل لا يتحقق التوحيد إلا بأن يكون أمة قانتًا يعني أعلى درجات التوحيد، لأن إبراهيم عليه السلام كما سبق أن الرسل أعظم وأكمل الناس في تحقيق التوحيد، ثم الأنبياء، ثم من بعدهم، ولا يجوز أن يُدَّعى في شخص ما أنه أكمل تحقيقًا للتوحيد من نبيٍّ من الأنبياء فضلًا عن الرسل، فضلًا عن أولي العزم، وإبراهيم عليه السلام قد أتى بكمال هذه الصفات.

وتفيد الآية كذلك فضيلة من فضائل إبراهيم خليل الرحمن حيث أثنى عليه ربه بهذه الصفات.

الثانية: الاقتداء به في هذه الصفات العظام.

ثالثًا: بيان الصفات التي يتم بها تحقيق التوحيد. يعني المذكورة الأربعة.

الرابع: وجوب الابتعاد والاجتناب عن الشرك والمشركين والبراءة منهم مطلقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت