الآية الثانية: أشار إليها المصنف بقوله: (وقال - أو وقوله: {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) ، ( {وَالَّذِينَ} ) الواو عاطفة جملة على جملة، أثنى الله عز وجل على المؤمنين السابقين إلى الخيرات في الصفات، وقال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] أي خائفون وجلون {وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 58] أي يؤمنون بآياته، وهذا عام، يشمل الآيات الكونية والشرعية، ثم أثنى على أعمالهم الصالحة بأنها على الإخلاص، وهو السلام من الشرك قليله وكثيره. وقال: ( {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) يعني لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه.
إذًا هذه عطف على ما سبق، وفيها الثناء أو أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الخيرات في صفات أعظمها الثناء عليهم بأنهم بربهم لا يشكرون، يعني لا يقع منهم شرك البتة، ولذلك قال: ( {لَا يُشْرِكُونَ} ) ، ( {لا} ) نافية، و ( {يُشْرِكُونَ} ) فعل مضارع منسبك من مصدر، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم.
إذًا لا يُشركون مطلقًا، لا شركًا أكبر، ولا شركًا أصغر بأنهم ( {بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) أي شيئًا من الشرك في وقت من الأوقات، فإن الإيمان النافع مطلقًا لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقًا كبيره وصغيره، جليِّه وخفيّه، إذ قوله: ( {لا يُشْرِكُونَ} ) نفي سُلِّط على نكرة فيعم كل ذلك، كما سبق بيانه، ولما كان المؤمن قد يعرض له ما يقدح في إسلامه من شرك جليّ أو خفيّ نفى ذلك عنهم، ويلزم من ترك الشرك على الوصف المذكور تحقيق التوحيد، لأن النفي هنا في مقام الثناء، كونهم ( {لَا يُشْرِكُونَ} ) يعني أتوا بأصل التوحيد، لماذا؟ لماذا لا يشركون بربهم؟
لكونهم حققوا التوحيد.
إذًا مراد بالنفي هنا إثبات صفة مناقضة للصفة المذكورة، كما هو الشأن في ما سبق في الآية السابقة.
قال ابن كثير: ( {وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) . أي لا يعبدون مع الله غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وأنه لا نظير له.
انظر تفسير ابن كثير حمل الآية على ما هو أعم. يعني أتى بمعنى يدل على تحقيق أصل التوحيد، ويلزم منه إذا جيء به على وجه الكمال أن يكون محققًا للتوحيد. حينئذٍ النصوص التي نذكرها المصنف من الآيات هنا في نفي الشرك تحمل على أصلها، ثم كمالها هو الذي يكون محققًا للتوحيد. وعلى القول بأن المعاصي بالمعنى الأعم الشرك، لأنها صادرة عن هوى فقوله: ( {لَا يُشْرِكُونَ} ) يراد به الشرك بالمعنى الأعم، ليدخل ماذا؟ ليدخل البدع التي هي دون الشرك، البدع منها ما هي مكفرة وهي مرادفة للشرك، ومنها ما دون ذلك، والمعاصي ليست من قبيل الشرك لا الأكبر ولا الأصغر، وحينئذٍ ( {لَا يُشْرِكُونَ} ) هذا دليل على تحقيق التوحيد، وتحقيق التوحيد لا يكون إلا بترك البدع التي هي دون الشرك وبترك المعاصي الإصرار على المعاصي.