على هذا القول بأن المراد جنس الشرك الشامل للمعاصي واضح لا إشكال فيه، يُراد به الشرك بالمعنى الأعم، إذ تحقيق التوحيد لا يكون إلا باجتناب الشرك بالمعنى الأعم بأن لا يُصرّ على معصية، وما قبلها هو من باب أولى وأحرى، فالأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، الأعمال الصالحة لا تصح مع الأكبر، لماذا؟ لأن الشرك الأكبر كالحدث إذا دخل العبادة أفسدها كما يُفسد الحدث الطهارة، فإن سلم من الأكبر فإنها لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر، وقوله: ( {لَا يُشْرِكُونَ} ) الذي لا يشرك هو الموحد، إذ ما ترك الشرك إلا لتوحيده ولذلك هنا انظر علّق الوصف بالربوبية لا بالألوهية، قال: ( {بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) ، التقديم هنا للاهتمام، التقديم ( {بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) إما من أجل رؤوس الآي، وإما أن يقال: بالاهتمام، لكن الفائدة هنا والنكتة في كونه علق نفي الشرك على وصف الربوبية، لماذا؟ ما قال بإلههم لا يشركون، قال: ( {بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) لأن الربوبية تستلزم الألوهية، إذ الإله كما سبق ويأتي هو المعبود المطاع، فعدم الإشراك في الربوبية يلزم منه عدم الإشراك في الطاعة والعبادة، فإذا نُفِيَ الشرك بحذافيره على صيغة العموم في الربوبية لَزِمَ منه عدم الشرك بحذافيره في الألوهية، والأول يستلزم الثاني، لكن لو وُجِدَ أو انتفى الشرك عن الألوهية لا يلزم أن لا يكون ثَمَّ شرك الأصغر في الربوبية، ليس بعكس، نَفْي الشرك بحذافيره الربوبية يستلزم نفي الشرك بحذافيره عن الألوهية. فعدم الإشراك في الربوبية يلزم منه عدم الإشراك في الطاعة والعبادة، وهذا وصف من حقق التوحيد لأن يلزم من عدم الإشراك أن لا يُشرِّك هواه، لأن من شرَّك هواه بمعنى أنه اتبعه وأتى بالبدع والمعاصي حينئذٍ صار نفي الشرك هنا نفيًا للشرك بأنواعه. يعني يمكن أن يقال: بأن قوله ... ( {بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} ) المراد هنا التشريك في الطاعة كذلك، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يُطيع غير ربه جل وعلا، ومعلوم أن الطاعة قد تكون للهوى، وأن مصدر البدع والإصرار على المعاصي إنما هو الهوى، حينئذٍ لا يشرك، لا يُطيع غير الله عز وجل أبدًا حينئذٍ لزم منه النفي على جهة العموم، ولا نحتاج أن نقول: المراد بالشرك هنا الجنس. إذًا لأنه يلزم من عدم الإشراك إلا يُشرك هواه لأنه إن أشرك هواه أتى بالبدع والمعاصي فصار نفي الشرك بأنواعه، ونفيًا للبدعة بأنواعها، ونفيًا للمعصية بأنواعها، وهذا يعني للإصرار وهذا هو تحقيق التوحيد على الوجه المذكور.
ثم بعد ما ذكر الآيتين، شرع في الحديث الآتي وهو حديث فرد، لكنه حديث طويل يحتاج إلى وقفة. نقف على هذا. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.