(فقال: «سبقك بها عكاشة» ) قال ابن بطال: معنى قوله ( «سبقك» ) أي إلى إحراز هذه الصفات، وهي التوكل، وعدم التطير، وما ذكر معه من الاكتواء، وعدل عن قوله: لست منهم، أو لست على أخلاقهم تلطفًا بأصحابهم وحسن أدبهم معه، أو ( «سبقك بها» ) يعني لهذه الفضيلة والمنزلة والثاني هو المراد. وقال القرطبي: لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجب. إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرًا فيتسلسل الأمر فسد الباب بقوله ذلك، صارت مثل هي ... ( «سبقك بها عكاشة» ) أليس كذلك؟ وهذا أولى من قول من قال: كان منافقًا. بعضهم قال لأنه كان منافقًا هذا بعيد لوجهين أحدهما أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلى بنقلٍ صحيح، كون يحتمل أنه منافق نقول: هذا الاحتمال مرجوح. لأن الأصل أنه صحابي فيحكم له بظاهره ولا يحكم على باطنه إلا بدليلٍ ونقلٍ صحيح، وليس ثم نقل. والثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصدٍ صحيح ويقين بتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكيف يصدر ذلك عن منافق؟ المنافق لا يؤمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف يقول: اجعلني منهم. هو منافق لا يؤمن بالرسالة، لا يؤمن برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا فيه بعد، إذًا الأصل أنه من الصحابة، ولكن لكون ليس عنده من الأحوال ما عند عكاشة فلم يجبه النبي - صلى الله عليه وسلم -. الشاهد من هذا الحديث قوله: ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» ) بمعنى أنهم حققوا التوحيد وأتوا به على الغاية والمنتهى، ولذلك دخلُ الجنة بغير حساب ولا عذاب.
والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.