قد مضى معنا شرح الحديث حديث الحصين بن عبد الرحمن بطوله، وتضمنه حديثين حديث الذي رواه بريدة بن الحصيب (أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة) ثم حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» ) . ... إلى آخر الحديث، ذكرنا أنه مخرج هذا الحديث في الصحيحين، والمتفق عليه هو قوله: ( «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» ) ، وثَمَّ رواية عند مسلم «هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» وذكرنا أن ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أن قوله: «لا يرقون» هذا يعتبر من الوهم والغلط، وذكرنا أن الأصل عدم تغليط الراوي هذا هو الأصل، إذًا أمكن الجمع بين هذه الرواية وما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه رَقَى ورُقِي ونحو ذلك هذا هو الأصل، وإذا لم يمكن حينئذٍ يقال بأن هذه الكلمة أو هذه اللفظة أو هذا الحرف فيه نظر، لكن البخاري رحمه الله تعالى بَوَّب في (( الصحيح ) )لهذا الحديث السابق حديث حصين وما ذكر من حديثين: باب من لم يرقِ. ولم يقل: باب من لم يسترقي، ثم أورد الحديث بكماله بدون زيادة التي فيها «لا يرقون» ، ويرقي قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يعني بضبط بفتح أوله وكسر القاف مبنيٌ للفاعل، وبضم أوله وفتح القاف مبنيًا للمفعول - يعني: يجوز فيه الوجهان - يَرقِي، يُرقَى. يَرقِي - يعني: لا يرقي غيره - وفيه شاهدٌ لرواية مسلم و «لا يرقون» ، يُرقَى - بمعنى: أنه لا يطلب ولا يأذن لمن أراد أن يَرْقِيَه - حينئذٍ ظاهر هذه الترجمة أن البخاري رحمه الله تعالى يُشير إلى تلك الرواية التي في مسلم، ولعله لم يخرجها لأمرٍ ما، إما من جهة إسناد، أو من جهة أمرٍ آخر قد يكون وقع في نفسه نوع تعارض الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويحتمل، لكن هذا التبويب فيه فائدة تزيد على ما سبق: باب من لم يرق. وقد ذكر بعض المعاصرين أن هذا خطأ والصواب باب من لم يَسْتَرْقِ. من أجل ماذا؟ من أجل تسير الأمور على نمطٍ واحد، وهذا تخطئة دون نظرٍ في المخطوطات أو دون نظرٍ في أصول البخاري هذا فيه نظر، إنما الصواب أن يبقى على ما هو عليه، ولذلك ابن حجر رحمه الله تعالى ضبطها بهذا الضبط يَرْقِي بفتح الياء بفتح أوله وكسر القاف مبنيً للفاعل، ويجوز فيه أن يكون مبنيًا للمجهول، والأول أولى لأنه إذا دار الأمر بين أن يجعل الفعل مبنيًا للفاعل أو مبنيًا للمفعول فحينئذٍ الأرجح أن يُجعل مبنيًا للفاعل، وهكذا الصواب أنه باب من لم يَرقِِ. وهذا عام، وأورد الحديث حديث ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال: خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا فقال: «عُرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان» فيه شاهدٌ لما ذكرنا أنه لا بد من التقدير هنا أفصح قلنا: ( «النبي ومعه الرجل والرجلان» ) قلنا: الواو هنا بمعنى أو، أليس كذلك؟ حينئذٍ «النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان» هنا صرح في هذه الرواية حيث قال: «فجعل يمر النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان» هذا تصريحٌ بما ذكرناه سابقًا «والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد، ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق ورجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ... » الحديث. هذا يدل على أن البخاري رحمه الله تعالى وأورد الحديث «لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون» وبوب بقوله: باب من لم يرقِ ففيه إشارة إلى الجمع بين الروايتين، والله أعلم.