ثانيًا: يدخل فيه ألفاظ متنوعة نصّ عليها السلف نحو ما شاء الله وشئت جاء فيه النص، وأنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، هذه كلها نقول: هي شرك أصغر باعتبار الألفاظ في الأصل، قد يصاحبه اعتقاد فيقلبه إلى الأكبر. وضابط هذا أن يُعطف على الله تعالى غيره مما هو من خصائص الرب جل وعلا، والأصل في الواو أنها لمطلق الجمع، حينئذ يكون قد سوَّى في اللفظ [بين الخالق والمخلوق] [1] بين المخلوق وخالقه. يعني التسوية في اللفظ أما المشاركة بالفعل فلا، هذا قد جعله شركًا أكبر.
قول: قاضي القضاة سيأتي هذا شرك أصغر، قاضي القضاة هذا سيأتي له باب خاص.
التعبيد لغير الله كعبد النبي هذا شرك أصغر، عبد الرسول هذا شرك أصغر إلا إذا أراد العبودية حقيقة العبودية فهو شرك أكبر [نعم] .
خامسًا: إسناد الحوادث إلى غير الله تعالى. نحو لولا وجود فلان، إسناد الحوادث إلى غير الله يعني الأفعال التي تُوجد إذا أسندها لغير الله الله خالق كل شيء، فالأسباب مخلوقة ولها تأثير، فإذا أسند إلى الأسباب دون أن يُسندها إلى الرب جل وعلا هذا شرك أصغر في الألفاظ، إسناد الحوادث إلى غير الله تعالى نحو لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص كما مر معنا في قول عكرمة، ولولا الله وفلان، وأعوذ بالله وبك، ولولا تجعل فيها فلانًا كما قال ابن عباس: ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، هذا كلها يعتبر من شرك الألفاظ.
سادسًا: قول: مطرنا بنوء كذا وكذا. وسيأتي له باب خاص، والأصل فيه أنه شرك أصغر وقد يُنقلب إلى أكبر. وضابط هذا النوع الاعتماد على سبب لم يجعله الشارع سببًا، إما شرعًا أو قدرًا، سيأتي مفصلًا في موضعه.
والعملي الشرك الأصغر العملي وهو ما كان بالجوارح ويدخل فيه التطير إذا لم يعتقد القدرة في المتطير به، كذلك إتيان الكهان وتصديقهم والعرافون والمنجمون إذا لم يعتقد أنهم يعلمون الغيب، أما إذا اعتقد أنهم يعلمون الغيب كفر كفر أكبر شرك أكبر، وأما مجرد الإتيان والتصديق فهذا لا يخرجه. لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه سيأتي الباب السابع إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها. وهذه جملة أنواع الشرك الأصغر حينئذ النظر فيها من حيث الأمثلة قد يُرجح بأن الأصل أن يُذكر أنواع الشرك الأصغر فيقال: هذا شرك وهذا كذا، ثم يجعل لهذه الأمثلة ضابط معين فحينئذ يتفرع وينبني عليه ما ينبني من الأمثلة.
حكمه حكم الشرك الأصغر أنه محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكن لا يخرج من وقع فيه من الإسلام، وسيأتي مزيد تفصيل عند الحديث الآتي. الفرق بينه وبين الشرك الأكبر أن الشرك الأكبر لا يغفر الله تعالى لصاحبه إلا بالتوبة، بخلاف الأصغر هذا فيه خلاف كما سيأتي في آية النساء {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] .
الثاني: الشرك أكبر محبط لجميع الأعمال وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
الثالث: الشرك الأكبر مخرج عن الملة بخلاف الأصغر فلا يخرج عن الملة بالإجماع.
الرابع: الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار إن مات من غير توبة بخلاف الأصغر فهو تحت المشيئة.
الخامس: الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال يعني إذا وقع فيه ولم يرجع حينئذ حل دمه وماله بخلاف الأصغر فصاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان فاسق من حيث الحكم الديني.
إذًا (باب الخوف) أي وجوب الخوف (من الشرك) بنوعيه ولذلك ذكر المصنف رحمه الله تعالى النوعين في آية النساء والحديث الآتي.
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: حقيقة هذا الخوف هو صدق الالتجاء إلى الله. يعني إذا عرفنا أن الشرك الأكبر كذا ويترتب عليه من أحكام صدق الالتجاء إلى الله تعالى والاعتماد عليه والابتهال والتضرع إليه، والبحث والتفتيش عن الشرك ووسائله وذرائعه ليسلم من الوقوع فيه، إذا لم يعلم المرء ما هو الشرك الأكبر كيف يحقق البعد عن الشرك الأكبر، هذا متعذر لا يمكن أن يقول بأنه لم يقع في الشرك الأكبر ولا الأصغر وهو لم يعرف هذا ولا ذاك، بل: لا بد أن يكون واقعًا فيه علم بذلك أو لم يعلم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1) سبق.