ج: مثل هذا الحكم يكون فيه على الجنس لا على الأفراد، وإنما نقول: جنس الشرك الأصغر أعظم إثمًا وجرمًا من جنس البدعة، جنس الشرك الأصغر يعني الشرك الأصغر من حيث هو أعظم لكن قد يكون في مفردات الشرك الأصغر ما هو أخص من حيث ضرر ذلك على الفرد أو على المجتمع، وقد يكون في البدع ما هو ضرره على المجتمع أعم من ضرر بعض الألفاظ الشركية، لكن لما تكون المقارنة في ماذا؟ في الجنس، أما في الأفراد والآحاد فقد يكون المفضول فاضلًا والعكس بالعكس على القاعدة في باب الطاعات، ولذلك بدعة القول مثلًا الكلام النفسي هذه أعظم من أنا متوكل على الله وعليك هذا بدعة، القول بخلق القرآن مثلًا إذا قيل بأنه ليس بكفر، أو الكلام النفسي، أو تأويل الصفات، وهذا من البدع لكن لا شك أنه أعظم من قول: لولا فلان أو كذا أو نحو ذلك.
س: هذا يقول فهناك إشكال عندي في مسألة الضابط بين الشرك الأكبر والأصغر، حيث إن مصادر العقيدة ثلاثة ولا يدخل فيها اجتهاد؟
ج: لا شك أن مصادر العقيدة ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع، وأما القول بأنه لا يدخل فيه الاجتهاد فهذا فيه تفصيل، إن كان المقصود بالاجتهاد هو القياس فنعم، لا يدخل القياس باب العقيدة هذا هو الأصل، إن كان ثم ما يُسمى بالقياس الأولوي هذا فيه كلام عند أهل العلم، وأما إن كان المراد به ما عدا القياس نقول: لا، الاجتهاد قد يدخل في باب العقيدة. يعني من الاجتهاد فهم النصوص، وتخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد هذا من الاجتهاد، فكل قياس اجتهاد ولا عكس، تحقيق المناط نقول: هذا يعتبر من الاجتهاد، لكن هذا ليس بقياس، فإذا قيل بأن اتخاذ الند مع الله ولم يكن ثم تنديد كامل أو فيه تنديد كامل تنزيل هذا الحد على بعض الصور التي لم توجد في القرون الماضية نقول: هذا من باب تحقيق المناط بمعنى [أنه] [1] أننا ننظر في آحاد هذه الصور فإذا وجدنا فيها المعنى العام الذي دل عليه الحدّ حينئذ نحكم عليه بأنه داخل في الحد. نقول: هذا يعتبر من الاجتهاد. إذًا ليس كل اجتهاد يكون مغلقًا في باب المعتقد، بل ثَمَّ ما يكون فيه نوع اجتهاد كما سيأتي في قوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] . إذًا مصادر العقيدة ثلاثة نعم، ولا يدخل فيها اجتهاد نقول هذا فيه إطلاق، والإطلاق ممنوع، بل الصواب أنه لا يدخل فيه القياس، والقياس الأولوي هذا مختلف فيه، وقد ثبت بالدليل أن الشرك الأصغر هو الرياء، حصر الشرك الأصغر في الرياء لم يرد حصر في الرياء ونفيه عما عداه هذا لم يرد، وإنما جاء النص: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، فسئل عنه فقال: «الرياء» . وجاء كذلك: ما شاء الله وشئت قال: «أجعلتني لله ندًّا» . لا شك أنه ليس بشرك أكبر فدل ذلك على أن المراد به الشرك الأصغر. إذًا يضاف إلى الرياء حينئذ نقول: ما دام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّل الإنكار على القائل ما شاء الله وشئت بقوله: «أجعلتني لله ندًّا» . دل على أنه كلما جعل لله ندًّا ولم يكن فيه تنديد كامل من كل وجه فهو الشرك الأصغر فيكون ذكر العلة، حينئذ كلما وجدت العلة وجد الحكم ويكون معللًا كأنه قال أنكرت عليك هذا القول لأنه فيه تنديد، وإن لم يكن من كل وجه حينئذ كلما وجد التنديد وجد الحكم بأنه شرك أصغر. إذًا القول بأن الدليل دل على أن الشرك الأصغر هو الرياء هذا فيه قصور.
(1) سبق.