وقال ابن دقيق العيد: يجب أن يُنتبه للفرق بينهما. فالعام المخصوص أعم من العام الذي أريد به الخصوص، ألا ترى أن المتكلم إذا أراد باللفظ أولًا ما دل عليه ظاهره من العموم ثم أخرج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ كان عامًا مخصوصًا. يعني ناوله أو اشتمل عليه اللفظ ابتداءً، ثم أراد بعد ذلك أن يخص منه. فقال: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} ثم قال (إلا من دفع الجزية) {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] حينئذ نقول: {حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ} هذا يعتبر مخصِّصًا لقوله: {الْمُشْرِكِينَ} فهو عام مخصوص، فبعض الأفراد ليس داخلًا حكمًا وإن كان داخلًا من جهة اللفظ، ولم يكن عامًا أريد به الخصوص .. إلى أن قال: بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريدًا به بعض ما تناوله في هذا. يعني اللفظ الذي هو متأخر. إذًا نخلص من هذا التقرير بأن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} أن المراد بقوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} الشرك الأكبر. فإن قيل لك بأن الشرك هنا وقع وهو نكرة منسبك (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر والمصدر نكرة حينئذ يعمّ، نقول: هذه قاعدة صحيحة، وهي صالحة في كل موضع إلا إذا عُورِضَتْ. وهنا قد عورضت بأمرين:
الأول: أن الشرك إذا أُطلق في الشرع حُمل على الشرك الأكبر، صار مقدمًا.
ثانيًا: أن العام نوعان:
-عام مخصوص. وعام أريد به الخصوص.
والثاني هو الذي يُحْمل عليه اللفظ تمشيًا لقواعد الشرع بعضها مع بعض، ومن أجل أن يكون القرآن شارحًا بعضه لبعض كما ذكر الشيخ الأمين رحمه الله تعالى.
بعض المتأخرين أورد بعض الأدلة من السنة ومن أقوال بعض الصحابة على أن الشرك يشمل هنا الشرك الأصغر. وكنا نود أن نقرأ ونعلق، ولكن نرجئه إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.