القول الثاني أو المذهب الثاني: أن الشرك الأصغر لا يغفر إذا مات صاحبه مصرًا عليه ولم يتب منه واستدلوا بالآية السابقة بأنها عامةٌ ( {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) ووجه العموم أن ( {أَن} ) هنا مصدرية دخلت عن الفعل المضارع، حينئذٍ ( {أَن} ) وما دخلت عليه بتأويل مصدر، والمصدر نكرة، والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم، حينئذٍ يعمّ كل شرك يشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر والشرك الخفي، فلا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة، قالوا: ولا يلزم من عدم المغفرة دخول النار لأنه قد يُرد رادّ بأنه إذا كان لا يُغفر لمن وقع في الشرك الأصغر مات من غير توبة يلزم من ذلك أنه يدخل النار. نقول: لا، لا يلزم، وإنما الكلام في ماذا؟ يٌغفر أو لا يُغفر؟ حينئذٍ قد يُؤاخذ في قبره، قد يُؤاخذ في النزع، قد يُؤاخذ في العرصات عرصات المحشر أو غير ذلك، الله أعلم به، لكن لا يلزم - على هذا القول - بأنه [غير قابل] ليس داخلًا تحت المشيئة فلا بد فيه من التوبة، نعم لا يلزم من المعاصي عمومًا إذا أخذ الله عز وجل بها العبد إلا ويدخل النار، نقول: لا، ليس المراد هذا، وإنما قد يؤاخذه إذا لم يعفو عنه ويكون ذلك إما في القبر أو في العرصات ونحو ذلك. قالوا: ولا يلزم من عدم المغفرة دخول النار لأن المغفرة معناها الستر والتجاوز ومحو الذنب مأخوذةٌ من المغفر الذي يستر به الناس الرأس. وهذا كما سبق في أول الأبواب، فهو يُعذب لكن لا يلزم أن يعذب في النار، بل قد يُعذب في القبر أو في العرصات أو غير ذلك.
إذًا قالوا: بأنه لا بد فيه من التوبة لهذا العموم، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأنه داخلٌ في عموم النص حينئذٍ ليس قابلًا للتوبة. وقد حشد بعض المعاصرين من السنة بعض الأدلة التي قد يُفهم منها أنها تدل على ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وعند التأمل نجد أن هذه الأدلة ليست بظاهرة وإنما أرادوا بها تقوية هذا القول وأنه أقرب إلى ظاهر النصوص في الكتاب والسنة، بل هو كما ذكرنا فيما سبق على حد علمي لم يُسبق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بهذا القول، بحثت في التفاسير المشهورات هل ثَمَّ من قائلٍ بالعموم الذي هو ظاهر الآية، ولم أقف على أحدٍ نص على ذلك، حتى ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى وابن كثير والشوكاني وغيرهم لم يذكر أن هذه الآية عامة في الشرك الأصغر والأكبر، بل خصها ابن كثير على جهة التنصيص بأنها خاصةٌ بالأكبر لأن سائر العمومات على هذا: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} المائدة: 72]. {مَن يُشْرِكْ} يقال فيها من العموم ما يقال في قوله: ( {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) . إذًا لماذا نفرق بين متماثلين؟ إن قلتم: هذه خاصةٌ بالشرك الأكبر وقد وُجِدَ فيها صيغة العموم كذلك هذه نقول: وُجِدَتْ فيها صيغة العموم وهي خاصةٌ بالأكبر، وأما حشد النصوص من أجل تقوية ما هو مرجوح نقول: هذا فيه نظر. يقول قائل هنا: فالذي يظهر من صنيع المصنف - يعني شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى - أنه أراد بكلمة ( {أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) أي الشرك الأكبر، المراد به الشرك الأكبر، لذلك عمّم في الترجمة (باب الخوف من الشرك) وذكر الحديث: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، فسئل عنه فقال: «الرياء» ) فظاهر صنيع المصنف كصنيع ابن جرير وابن كثير وغيرهما بأن المراد بهذه الآية هي التنصيص على عدم المغفرة لمن وقع في الشرك الأكبر ولم يتب منه يعني مات وهو مشركٌ شركًا أكبر، ظاهر صنيع المصنف أنه أراد بكلمة ( {أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) أي الشرك الأكبر، وتابعه على ذلك الشُّراح الثلاثة بدون استثناء، ولذا نقل الحفيدان في (( التيسير ) )وفي (( الفتح ) )شرح ابن كثير لهذه الآية على أنها في الشرك الأكبر، وهذا واضحٌ بين وهذا الذي ينبغي أن يعتمد وليته وقف إلى هنا، وكلامه صحيح ويدل على ذلك أدلةٌ أنها في الأكبر.