الدليل الأول: سياق الآية، فإن هذه الآية ذُكرت مرتين في سورة النساء وسياقها وما بعدها يدل على أنها في الأكبر. إذًا لها حقيقةٌ شرعية ولا شك أن [السياق] السباق والسياق محكم، بمعنى أن ما قبل النص وما بعده يكون دالًا على المراد بهذه الآية: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} ، حينئذٍ {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ} هذه صيغة عموم كذلك هل هي تشمل النوعين الشرك الأكبر والأصغر؟ الجواب: لا، وهذه محل وفاق. إذًا آخر الآية يدل على أن أول الآية مرادٌ به الشرك الأكبر وهذا واضحٌ بيّن. قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} وبعدها قال: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} . وفي الآية الثانية: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا} [النساء: 116] هذا يدل على أن المراد بها الشرك الأكبر، وهذا إن لم يكن نصًا فهو كالنص، ما المراد بالنص؟ ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، فحينئذٍ ما كان في قوة النص بأن يكون ثَمَّ ظاهرٌ يؤيده ظواهر فحينئذٍ هذا له قوة النص بمعنى أنه لا يحتمل التأويل البتة، ويجب العمل به ولا يعدل عنه إلا بنسخٍ هكذا نص الأصوليون، أن النص وجب العمل به ولا يترك العمل بالنص إلا إذا دل ناسخٌ عليه، وهذه الآية نقول: هي نصٌّ وإن لم تكن نصًّا فهي كالنصّ، ووجب الأخذ بالظاهر يُؤيده ختام الآيتين.
الدليل الثاني: فعل المصنف. فإن المصنف بدأ به والعادة أن البداية بالأهم والأعظم. هذه حكايةٌ فعلٍ لعالم ليست بشيءٍ شرعي.
الدليل الثالث: إجماع الشراح على ذلك. إذًا كل من شرح الكتاب فسّر قوله تعالى: ( {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) أن المراد به الشرك الأكبر وهو الصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه البتة إلا إن وُجِدَ خلفٌ قديم بين السلف، فحينئذٍ تكون المسألة خلافية، إذا وُجِدَ نزاعٌ قديم بين السلف يعني بين الصحابة وكبار التابعين القرون الثلاثة فحينئذٍ تكون المسألة خلافية، فمن رجَّح هذا القول له سلفٌ، ومن رجَّح القول الآخر له سلفٌ، وأما إذا لم يُنقل خلافٌ قديم في المسألة حينئذٍ يكون الخلاف المتأخر متروكًا، وَجَبَ تركه ولا يلتفت إليه، سواءٌ قال به فلان أو فلان، وإنما تكون الحجة في إتباع الدليل هذا هو الأصل وهذا الذي ينبغي أن يُرَبِّيَ الإنسان نفسه عليه.
قال: والذي يظهر لي أن ما ساقوه من أدلة صحيح. إذا كان صحيحًا وجب الوقوف عنده، لكن دلت السنة على أن هذه الآية لا يدخل فيها الشرك الأصغر أيضًا، ويدل عليه أدلة منه. وهذا حقيقةً تناقض لأنه إذا كان المعنى السابق أن الآية محمولةٌ على الشرك الأكبر بالسياق وبالسباق وأنه لا يُعرف من خالف هذه المسألة حينئذٍ إدخال الشرك الأصغر يكون من التقول، إذا خصَّصنا أول الآية بأن المراد بالنص هو الشرك الأكبر حينئذٍ كيف نقول: هذا صحيح بأن المراد به الشرك الأكبر ودلت السنة على أن الأصغر داخلٌ، هذا صار نقضًا للأول، بمعنى أن قولهم بأن الآية المراد بها الشرك الأكبر منقوض، بل دلت السنة على أنه يعم النوعين، وهذا في الحقيقية كما ذكرت أنه نوع تناقض، وأنا مرادي أن نقف مع الأدلة التي ذكرها.
قال: الدليل الأول ما ذكره المصنف في نفس الباب من حديث محمود بن لبيد قال: ( «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، وسئل عنه فقال: «الرياء» ) هنا أخذ أهل العلم تسمية الشرك الأصغر من هذا الحديث، وسيأتي ذكره في موضعه (وسئل عنه) ؟ عن الشرك الأصغر (فقال: ... «الرياء» ) . يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاز الناس بأعمالهم «اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» . رواه أحمد والطبراني. قال الحفيد سليمان في (( التيسير ) ): وقد رواه الطبراني بإسنادٍ جيد. والحديث ثابت كما سيأتي.