فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 2014

الشاهد من الحديث: أن الرياء لم يغفره الله بل يؤاخذ عليه. هنا قال ماذا؟ (قال: «الرياء» ) النبي - صلى الله عليه وسلم - فسّر الشرك الأصغر بالرياء. «يقول الله تعالى: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون في الدنيا» قال: بأن ظاهر النص أن الرياء لم يُغفر. حينئذٍ يدل على أن الشرك الأصغر ليس داخلًا تحت المغفرة. بل داخلٌ في قوله: ( {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} ) أن الرياء لم يغفره الله بل يُؤاخذ عليه، ولذا قال للمرائي: اذهب إلى الذي كنت تراءي في الدنيا.

وجوابه أن يقال: بأن هذا النص من أحاديث الوعيد التي نُمِرُّها كما جاءت كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فلا نقف معها ونستنبط أحكامًا تخالف الأصول، سبق معنى تقرير قاعدة مهمة جدًّا وهي أن من النصوص ما هو محكم وما هو متشابه، المحكم هو الذي اتضح معناه، والمتشابه هو الذي لم يتضح معناه، إذا كان عندنا محكم وورد متشابهٌ يحتمل أنه يُخالف ذلك المحكم حينئذٍ لا نقول: هذا نصٌ معارضٌ لذاك، بل نقول: هذا يحتمل معنيين أو أكثر ثم نفسره بما دل عليه المحكم، وأما أن نجعل النصوص المتشابهة والمحكمة بعضها يعارض بعضًا، نقول: هذا ليس من دأب الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عز وجل عليه بأنهم يؤمنون بالمتشابه وأنهم يردونه إلى المحكمات حينئذٍ يحملون أو يفسرون المتشابه بالمحكم، فإذا جاءت آيات تدل على الوعيد في شيءٍ ما وعندنا أصلٌ آخر دلت عليه النصوص واضحة بيّنة حينئذٍ لا يمكن أن نأتي لهذا المتشابه الذي يحتمل أوجه ثم نقول: هذا يعارض الأصل، وهذا غلطٌ في الفهم. حينئذٍ نقول: هذا محتمل ... «اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون» ثم ماذا؟

ما أخبرنا من الذي سيحاسب؟ الله عز وجل، من الذي سيعذب؟ الله عز وجل، من الذي سيدخل النار؟ الله عز وجل، من الذي سيعفو؟ الله عز وجل. النص ليس فيه شيءٌ من ذلك، فإنما فيه توبيخ لمن راءي اذهبوا إليهم، إن كان هؤلاء الذين عملتم من أجلهم عندهم شيء فاذهبوا إليهم. إذًا ما النتيجة؟ هل غفر لهم أم لا؟ هذا عتاب وتشديد من الله عز وجل في ذنبٍ معين ولم يتعرض فيه لكونهم مغفورًا لهم أو لا؟ حينئذٍ نرجع إلى النص السابق وما عليه أهل العلم فنفسر مثل هذه النصوص بما سبق.

إذًا نقول الجواب عن هذا النص: أنه من أحاديث الوعيد التي نمرها كما جاءت.

ثم جواب آخر أن الرياء ليس كله شركًا أصغر ليس كله شركًا أصغر، بل المراد به يسير الرياء كما سيأتي، لأن الرياء قسمان:

-رياءٌ أكبر كما هو شأن المنافقين، وهم خالدون مخلدون في النار.

-ورياءٌ أصغر أو يسير. إن شئت عَبِّر عنه بهذا أو ذاك، وهو قد يقع من المسلم وفيه تفصيلٌ، سيأتي في موضعه، ولذلك سيأتي بابٌ خاص في (باب ما جاء في الرياء) . إذًا الرياء يحتمل أنه أكبر ويحتمل أنه أصغر، وقد يكون هؤلاء إن صح بأنهم لم يُغفر لهم أنهم قد وقعوا في الرياء الأكبر وهم لا يُشعرون حينئذٍ يكون قوله جل وعلا: «اذهبوا إلى الذين» على ظاهره. على كلٍّ نقول: هذا الدليل لا يصح أن يقع معارضًا للنص السابق، ولما عليه أهل العلم قاطبة بأن الشرك الأصغر داخلٌ تحت المشيئة، وهو نصٌّ محتمل بل هو من المتشابه.

الدليل الثاني: الذي أراد أن يجعل الشرك الأصغر ليس داخلًا تحت المشيئة ما جاء من حديث أبي هريرة عند (( مسلم ) )وفيه: عن الثلاثة الذين وقعوا في الرياء وهم المقاتل والقارئ للقرآن والجواد كلهم يُقال لهم: «كذبتم إنما يقال كذا» ، ثم «إنما ليقال: كذا» يعني قرأت من أجل أن يقال: قارئ، وكنت جوادًا من أجل أن يُقال: جواد. ونحو ذلك «ثم يُلقى في النار» .. الحديث. قال: ظاهره ماذا؟ أنهم وقعوا في الرياء ومع ذلك قال: «ثم يلقى في النار» يعني لم يكن داخلًا تحت المشيئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت