ج: لا، الشرك يدخل في المعصية، وهنا عرفنا أن المراد به الشرك بقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ} سياق، السياق يكون محكم هنا بمعنى أن اللفظ قد يأتي في تركيب في آية محتمل لعدة معاني لكن السياق في أوله وآخره يبين لك المراد وإلا صار مجملًا، وحينئذٍ نقول: {وَمَنْ عَصَانِي} هذا يحتمل أنه وقع في صغيرة يحتمل أنه وقع في كبيرة في بدعة في شرك أكبر في شرك أصغر محتمل، ما الذي يعين أن المراد به المعصية هنا الشرك الأكبر؟ السياق.
ما هو السياق؟ من أوله، قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي} في الدعوة إلى التوحيد ... {وَمَنْ عَصَانِي} يعني فيمن ترك التوحيد، وحينئذٍ لا يكون إلا الشرك، وإن كان يدخل، فنقول: إن آية {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] ناسخة [هذه من عندك الله يصلحك] ، لا نورد أشياء في الذهن هكذا الإيراد العقلي هذا هو الذي ضيع كثير من الفتاوى الآن، اليإرادات العقلية كاسمها عقليّة، نحن نقول: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعيّة العمليّة من أدلتها التفصيليّة، أليس كذلك؟ ثم نقول: الشرعيّة أي المنسوبة إلى الشرع، والشرع هو ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - احترازًا عن الأحكام العقليّة والعاديّة والاصطلاحيّة، فحينئذٍ كل حكمٍ عقليّ ليس مستندًا إلى حكمٍ شرعي إلى دليل شرعي حينئذٍ هو في هباء، لماذا؟ لأنه لا حاكم إلا الله {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [الأنعام: 57] . ولذلك يذكرون في هذا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف من حيث إنه مكلّفٌ حينئذٍ نقول: خطاب الله لماذا خصّ خطاب الله؟ لماذا؟ لأنه لا حكم إلا من الشريعة هذا الأصل بإجماع ما في خلاف، من تردد خرج من الملة {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} يعني ما الحكم إلا لله، ليس عندنا مصدر إلا كتاب وسنة، فحينئذٍ جعل ما ليس مصدرًا، مصدرًا والعقل ليس مصدرًا من مصادر الشريعة انتبه العقل الرأس ليس مصدرًا من مصادر الشريعة، وفرقٌ بين أن نقول: العقل ليس مصدرٌ من مصادر الشريعة وبين أن نقول: العقل معينٌ في فهم الشريعة، فالله عز وجل خلق الإنسان وركَّب فيه العقل وميزه عن البهيمة وكلَّفه بالمكلفات، ثم أعدم العقل عندهم بالكلية مثل البهيمة؟ لا، ليس هذا المراد، وإنما أراد أن يفهم الشريعة يفهم عن الله عز وجل باستنباط الأحكام ولذلك نقول: الأصول والقواعد التي تعين على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، حينئذٍ العقل لم يُهْمَل، ولم يجعل له البساط مفتوحًا هكذا بأن يُشَرِّعُ ما يريد وبأن يعترض على الشرع وهذا مقبول وهذا ليس بمقبول، وإنما نقول: العقل ليس مصدرًا مع كونه مما يعين على فهم الشريعة، وإذا قيل: مما يعين على فهم الشريعة ليس مجاله مفتوحًا يُقَعِّدُ ما يُقَعِّدُ ويُؤَوِّل ما يُؤَوِّل ويَدَّعِي النسخ والتخصيص .. إلى آخره؟ لا، محكوم بماذا؟ بالشرع، وهي القواعد والأصول التي إما أن يكون مجمع عليها، وإما أن يكون قول جماهير أهل العلم، فالعقل له مجال محدود، فإذا قيل: هذه ناسخة لهذا نقبل؟ ما نقبل. إذا قيل: هذا لفظ عام وخصّ بكذا وكذا. نقول: كذا وكذا إما أن يكون دليلًا شرعيًّا أو لا؟ إن كان دليلًا شرعيًّا حينئذٍ إخراج بعض أفراد العام لا يكون إلا بشرعٍ لأنه استثناء بمعنى أن الشرع حكم على هذه الأفراد بحكم مخالف لِمَا حكم به على اللفظ العام، وهذا لا يكون إلا بدليل شرعي. وهذه لو أتقنها أهل العلم عمومًا والدعاة إلى آخره سلموا من كثير من الاضطراب الذي يقع الآن خاصة بهذا الزمن، الفتاوى صارت مرسلة الآن بلا قيد، لماذا؟ هذا يقول: أرى، والذي تطمئن إليه النفس، ونحن بحاجة إلى كذا، والغاية تبرر الوسيلة، وجَمِّع .. إلى آخره جاءت الاستثناءات، وجاءت الأصول كلها مردها إلى الهوى وإلى العقل، وأما الشرع فبريء من هذه المسائل كلها من أولها، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، [وعلى آله وصحبه أجمعين] .