وهنا نكتة فائدة أوردها ابن جرير بسنده عن قتادة في قوله: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} انظر من عصاني يعني وقع في الشرك الأكبر ماذا قال إبراهيم عليه السلام؟ قال: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا مسلكٌ أدبي جيد. قال قتادة: اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم: لا والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكان يقال: إن من شر عباد الله كل طعانٍ لعان، قال نبي الله ابن مريم عليه السلام: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] . ضمت من مقام الدعوة يُبين الحكم الشرعي وما يترتب عليه، والحكم على الناس إنما يكون بالأوصاف الشرعية فحسب، فيقال: هذا كافر هذا مشرك هذا ظالم هذا فاسق، وما عدا ذلك فيوقف عليه. وأما السب واللعن من جراء ما قد يترتب على فعل بعض من خرج عن السنة أو خرج عن الملة نقول: هذا ليس بمسلك الأنبياء وهذا ما تراه في إبراهيم عليه السلام: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . ما قال فالعنه ومزقه ونحو ذلك. قال: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . ولذلك قال قتادة: اسمعوا إلى قول خليل الله إبراهيم: لا، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين. مع أن موجب الطعن واللعن قد كون موجودًا وهو الوقوع في الشرك الذي هو أعظم ما يمكن أن يُفارق به المرء الملة. فحينئذٍ ينبغي بل يتعين على أن من أنكر منكرًا أن يتقيّد بالألفاظ الشرعية فيقال: هذا فسقٌ، هذا ظلمٌ، هذا خروجٌ من الملة، هذا كفر .. إلى آخره. وأما ما يزيد على ذلك من الألفاظ الشنيعة فهذه ليست من الملة في شيء ولا تُنسب إلى الشرع وإنما هي حظوظ نفسٍ.
ما يستفاد من الآية أن الشرك أعظم الذنوب، ولذلك خافه إبراهيم عليه السلام.
[ثانيًا] : الخوف من الشرك. فإن إبراهيم إمام الحنفاء خافه على نفسه فكيف بمن هو دونه.
[ثالثًا] : مشروعية الدعاء لدفع البلاء قبل وقوعه، لأنه قال ماذا؟ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} فيه مشروعية الدعاء لدفع البلاء قبل وقوعه.
ثالثًا: مشروعية الدعاء للنفس وللذرية، خصها الذرية هنا فلا بأس.
رابعًا: الرد على الجهال الذين يقولون: لا يقع الشرك في هذه الأمة فأمنوا منه فوقعوا فيه كما قال في (( الفتح ) ). فلا يقال: بأنه لا يقع الشرك ولا نحتاج أن نحذر الناس من الشرك والناس موحدون، والناس ليسوا بحاجة إلى بيان مقام التوحيد، نقول: هذا كله هراء ويدل على جهلهم بالتوحيد، فإذا كان إبراهيم خافه على نفسه فكيف لا نخاف على أمة هذا العصر وأمة هذا الزمن، نقول: من بابٍ أولى وأحرى، فالأصل تكون الدعوة هي كما ذكرنا مرارًا تكون الدعوة إلى بيان التوحيد وأنواع التوحيد، وكل ما يتعلق بالتوحيد من اللوازم التي هي تكون مؤثرةً في وجود التوحيد أو في كماله الواجب أو في كماله المستحب، وكذلك ما يُناقض التوحيد من أصله من الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فحينئذٍ نقول: هذا الذي يجب أن تكون عليه الدعوة إلى الله عز وجل، ولذلك قال إمام الحنفاء: ( {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ) خافه على نفسه فخوفه على بني هذا الزمن من بابٍ أولى وأحرى، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة:
س: كثيرٌ من أهل العلم يذكر في باب الشرك الأصغر والبدعة قاعدة: وهي جعل ما ليس بسببٍ سببًا يعتبر شركًا واتخاذ السبب؟
ج: السببية هذه سيأتي تفصيله بتوسع إن شاء الله، سنجعله في درسٍ مستقل (باب ما جاء في لبس الحلقة) .
س: فضيلة الشيخ يقول: قال الله عز وجل أو قول إبراهيم فيما حكاه الله: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} - ليست رؤوفٌ رحيم - أن الله لم يقل: ومن أشرك بي فإني غفورٌ رحيم فإن الشرك لا يدخل في المعصية؟ [ها] صحيح؟