فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 2014

وفي (( الفتح ) ): وقد استجاب الله تعالى دعاءه وجعل بنيه أنبياء وجنبهم عبادة الأصنام. هذا يدل على ماذا؟ على أنه اختار أنهم أبناؤه من صلبه. وهذا ما حكاه الطبري عن مجاهد حيث قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده. قال: فلم يعبد أحدٌ من ولده صنمًا بعد دعوته. وإنما دعا إبراهيم عليه السلام بذلك لأن كثيرًا من الناس افتتنوا بها. يعني لماذا؟ ما علة الدعاء؟ جاء ما بعده معلِّلًا لذلك {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا} [إبراهيم: 36] . لما رأى إضلال تلك لأصنام لكثيرٍ من الناس خاف على نفسه وخاف على بنيه، وهذا سرٌّ في الدعاء لم كانت هذه الدعوة {رَبِّ إِنَّهُنَّ} خرج مخرج التعليل لما سبق، يا رب افتتنوا بها كما قال: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا النَّاسِ} أي يا رب إن الأصنام أضللن كثيرًا من الناس عن طريق الهدى وسبيل الحق حتى عبدوهم وكفروا بك. قال القرطبي: لما كانت سببًا للإضلال أضاف الفعل إليهن مجازًا فإن الأصنام جمادات لا تفعل {أَضْلَلْنَ} هي لا تُضلّ بنفسها ليس لها إرادة في الأصل حينئذٍ هل هي دعت الناس إلى نفسها؟ [ها] قطعًا. إذًا لم يحصل منها فعلٌ فهي جمادات، حينئذٍ أضاف الفعل إليها لماذا؟ مجازًا، فإن الأصنام جماداتٌ لا تفعل، {فَمَن تَبِعَنِي} يعني على ما أن عليه من الإيمان بك وإخلاص العبادة لك وفراق عبادة الأصنام {فَإِنَّهُ مِنِّي} يعني فإنه مستنٌ بسنتي وعاملٌ بمثل عملي هكذا قال ابن جرير. أي فهو من أهل ديني كما قال القرطبي وكلاهم بمعنى واحد. {وَمَنْ عَصَانِي} أي أصر على الشرك قاله القرطبي {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، {وَمَنْ عَصَانِي} يعني من وقع في الشرك {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني تغفر له ولو مات على ما هو عليه؟ كيف أصغر؟ قلنا: عبادة الأصنام ليس فيها أصغر مباشرة. {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [ها] ، {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يحتمل أنه دعا إبراهيم قبل أن يعلمه الله تعالى أنه لا يغفر الشرك لمن مات عليه هذا احتمال، ويحتمل {فَإِنَّكَ غَفُورٌ} لمن تاب ولو من الشرك، وأما على ظاهر فلا يستقيم. على ظاهره {وَمَنْ عَصَانِي} بأن وقع في الشرك الأكبر الذي هو عبادة الأصنام {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لا، قطعًا ليس هذا المراد، فإما أن يُحمل بأنه دعا قبل أن يُعلمه الله تعالى بأن الشرك الأكبر لا يغفره، وأما أن يقال: فإنك غفورٌ لمن تاب، حينئذٍ الشرك الأكبر المغفرة تتعلق بالتوبة فحسب، وأما إذا مات على الشرك فلا، قيل: هذا قبل أن يعرفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به وقيل: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن تاب من معصيته قبل الموت، لا بد من هذا أو ذاك.

إذًا الشاهد من الآية للباب إذا كان الخليل عليه السلام وهو إمام الحنفاء الذي جعله الله أمةً وحده قد كسر الأصنام بيده يخاف أن يقع في الشرك فكيف يأمن الوقوع فيه من هو دونه بمراتب، بل يكون الخوف والدعاء منه أولى من إبراهيم، بل أولى بالخوف منه وعدم الأمر بالوقوع فيه. قال إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ لا أحد، إذا إبراهيم عليه السلام خاف على نفسه البلاء والوقوع في الشرك الأكبر، حينئذٍ نقول: هذا غيهر من بابٍ أولى وأحرى. وقد بيَّن ما يوجب الخوف من ذلك بقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} . فالعبرة ليست بالكثرة كما سيأتي في المسائل، فإذا عرف الإنسان ذلك أوجب له الخوف أن يقع فيما وقع فيه الكثير، والعبرة ليست بالكثرة فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهلٌ به، وبما يخلصه منه من العلم بالله وبما بعث به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من توحيده، والنهي عن الشرك به.

وهذا مناسبة الآية للباب. {رَبِّ} قال ماذا؟ ( {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ) ، ( {أَن نَّعْبُدَ} ) أي أن نذل ونخضع للأصنام ( {نَّعْبُدَ} ) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر أي عبادة الأصنام، حينئذٍ يُعرب على أنه مفعول ثانٍ. لقوله: ( {وَاجْنُبْنِي} ) لأنه تعدى الاثنين والياء هي المفعول الأول. تخصيص الأصنام هنا في كونها شركًا أكبر خرج مخرج الغالب لأن الأصنام إذا قلنا: بأنها لا تشمل الوثن حينئذٍ خرج القبر نقول: لا، المراد به هنا مثال، بمعنى أن الحكم ليس معلقًا بالأصنام فيفهم أن ما عدا الأصنام ليس بشركٍ أكبر ليس هذا المراد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت