ج: بلى تنقصه لكن بشرط أن تكون كبائر وأن يكون مستمرًا عليها لأن ترك المعصية واجب، وفعل المعصية محرم يقدح في الإيمان، وذلك نقول: إيماننا يزيد بالطاعات ونقصه يكون بالزلات يزيد بالطاعات وينقص بالزلات يعني: المعاصي، والنقص إنما يوصف به في الأصل يوصف به كمال الإيمان الواجب، وليس كمال الإيمان المستحب هذا هو الأصل، لكن مطلق المعصية إذا فعلها العبد ولم يتب ولم يستمر عليها الأصل أنها تقدح بكماله المستحب، فإذا داوم عليها أصر عليها حينئذٍ كما مر معنا أن بعضهم يعبر عنها بأنها من جنس الشرك لكن بالإصرار، وجاء في بعض كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أطلقه، وقيده شيخ ابن السعدي رحمه الله تعالى في (( القول السديد ) )أو في غيره فيما أظن أن المراد به الإصرار على المعصية هو الذي يعتبر ماذا؟ من جنس الشرك، لأنه فيه تشريك، وسبق اعتراض على هذا الشيء فيما ذكرنا في أول المسائل، ولذلك ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى قاعدة وهي أنه إذا جاء نفي الإيمان في الشرع إنما أريد به النفي الواجب. «ليس منا» ، «لا إيمان لمن لا أمانة له» ونحو ذلك المراد به ماذا مراد به الإيمان الواجب لأنه لا يُنفى الشيء في الشرع إلا لفوات واجبٍ فيه هذا هو الأصل إذا قيل: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إذًا فاتت الصلاة من أصلها لماذا؟ لكون فاتحة الكتاب جزءً من الصلاة، بمعنى أنها ركن من أركان الصلاة، بل ذهب الشوكاني رحمه الله تعالى إلى أنها شرط إذ أنها شرط صحةٍ للصلاة، لأن هذه صيغة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . كقوله: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» . مثلًا أو «لا صلاة لمن لم يتوضأ» ونحو ذلك «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» هذه صيغ الشرط، ولذلك عممها رحمه الله تعالى وجعلها في ماذا؟ جعل قراءة الفاتحة شرطًا من شروط صحة الصلاة، وهذا لا يسلم له لأن المراد هنا «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» بيان أن فاتحة الكتاب وجودها له أثرٌ في ماهية الصلاة، وفواتها له أثرٌ في فوات الصلاة، ولذلك يشترك الشرط والركن في أن كلًا منهما تتوقف عليه الماهية وجودًا وعدمًا، فماهية الصلاة لا توجد إلا بالطهارة مثلًا فتوقفت عليه، كذلك ماهية الصلاة متوقفةٌ على وجود أو قراءة الفاتحة، حينئذٍ كلٌ منهما الطهارة وقراءة الفاتحة توقف عليها ماهية الصلاة، إلا أن الفرق بينهما في الوجود بمعنى أن وجود الطهارة يكون سابقًا لفعل العبادة، ولذلك صار شرطًا في الاصطلاح، ووجود قراءة الفاتحة كان في أثناء الصلاة بعد تكبيرة الإحرام حينئذٍ فرقٌ بين أن يوجد الشيء الذي تتوقف عليه الماهية قبل الشروع في الماهية أو في أثناء الماهية، فالأول يسمى شرطًا، والثاني يسمى ركنًا.
ثم الشرط كما هو معلوم يكون سابقًا على العبادة، ثم يشترط فيه أن يكون مستمرًا في العبادة كلها من أولها إلى آخرها، فالطهارة مثلًا واستقبال القبلة واجتناب النجاسات والنية ونحو ذلك من شروط الصلاة يُشترط فيها أن تكون مستصحبة من أول العبادة إلى آخرها، بخلاف الركن قراءة الفاتحة ركن توجد ثم تنقضي تنتهي، كذلك الركوع ركن يوجد بل لم يكن ثم يوجد ثم ينقضي، وهكذا السجود وهكذا سائر الأركان، وهذا فرقٌ بينهما حينئذٍ الصيغة التي تدل على كلٍّ منهما قد تتحد لكن نعرف الفرق بينهما من حيث الوجود، فما وُجد قبل العبادة فهو شرط وما وُجد في أثناء العبادة فهو ركنٌ مع أن كلاًّ منهما واجب، وكلاًّ منهما تتوقف عليه الماهية بمعنى أنها تفوت لفوات هذا الشرط، أو لفوات هذا الركن.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: