لا زال الحديث في الباب الخامس، وهو باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. عرفنا ما يتعلق به بهذه الترجمة، وذكر المصنف رحمه الله تعالى تحت الباب آيةً وحديثين، وسبق الكلام عن الآية بقوله تعالى: ( {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة يوسف: 108] ) ، وسبق أن الباب أخص من مدلول هذه الآية لأن قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . أعم من الدعاء إلى التوحيد أو غيره، حينئذٍ نقول: هذا استدلال بالأعم على الأخص وهو واردٌ في طريقة السلف من حيث أنهم يستدلون بالألفاظ العامة على بعض أفرادها. ثم لَمَّا كان قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) فيه عموم وأراد المصنف هنا ما يدل على خصوص الترجمة أورد حديثين تدل على أن المراد بالدعوة في هذا الباب هو توحيد الله تعالى، ولذلك أورد حديث ابن عباس وفيه الشاهد ( «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ) هذا أراد أن يبين أن قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . أول ما يدخل في هو الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، حينئذٍ قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . هذه لفظةٌ مجملة عامة لم يتبين فيها مراتب ما يُدْعَى إلى الله تعالى، أيها يقدم، لا شك أن الدين متفاوت بعضه أركان وبعضه واجبات، ثم الأركان تتفاوت، ثم الواجبات تتفاوت، بعضها أعلى درجةً من بعض، لذلك بعضها إذا تُرك كفر، وبعضها إذا ترك يقاتل عليه، وبعضها إذا ترك لا يقاتل عليه، وبعضها .. إلى آخره، هذه لما كانت متفاوتة أراد المصنف أن يبين بأن قوله: ( {أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) . ليس على مرتبةٍ واحدة وإنما هي على مراتب، وأول والأولية المرادة هنا الأسبقية ما يترتب عليه غيره وجودًا وعدمًا، فأول ما يُدْعَى إليه هو توحيد الله تعالى فذكر هذين الحديثين ليبين مقصود الباب من الترجمة المذكورة. فقال رحمه الله تعالى: (عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لَمَّا بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أولُ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ) ويجوز ( «فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله» ) إلا أن رفع أول على أنه اسم يكن ونصب شهادة على أنه خبر يكن أولى من العكس، ( «فليكن أولُ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية) وهي في الصحيح ( «إلى أن يوحدوا الله» ، «فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه.) أي البخاري ومسلم. قوله: (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) قال هنا جاء به مؤننًا، والمأنن عند أهل الحديث على المرجح كالمعنعن بمعنى أنه محمولٌ على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس، فإن مدلسًا حينئذٍ لا بد من معرفة ما قد يكون أسقطه من السند، حينئذٍ يحمل المعنعن والمؤنن على الوصل لكن بشرط أن لا يكون مدلسًا. في جميع الطرق التي أوردها البخاري رحمه الله تعالى الحديث مسندٌ عن ابن عباس، وهو حينئذٍ يكون من مسند ابن عباس رضي الله عنهما، ولذا التزم به البخاري رحمه الله تعالى كما في الصحيح في كتاب الزكاة حيث قال: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن، وهذا واضح من صنيع الإمام البخاري رحمه الله تعالى أنه جعل الحديث من مسند ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما. وأخرج مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبةَ وأبي كريب وإسحاق ابن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيعٍ فقال فيه عن ابن عباسٍ عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وظاهر هذا الصنيع أن الحديث من مسند معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ: وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرجٌ. ما هو المدرج؟ عن معاذ بن جبل، ولكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر ابن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس. إذًا ليس في صحيح مسلم إلا هذه الرواية من حيث إن ابن عباس رواه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.