فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 2014

إذًا قوله: ( «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» ) . فيه دليلٌ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على معرفةٍ بأحوال الناس لكن ليست معرفةً تفصيلية بأن يتتبع أحوال العرب المشركين واليهود والنصارى على جهة التفصيل، وإنما هي على جهة الإجمال لأنه هو الذي يتعلق به الحكم الشرعي، واستدل بعض المعاصرين بهذه الجملة على ما يسمى بفقه الواقع. قالوا: النبي يفقه واقعه. حينئذٍ نقول: ما المراد بفقه الواقع؟ إن كان المراد به على جهة الإجمال وهذا واقعٌ ولا شك فيه لكنه من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الوالي وهو القاضي، وإن كان المراد به على جهة التفصيل بأن يتتبع أحوال اليهود والنصارى وما عندهم من نحو أباطيل ونحو شركيات وبدع حينئذٍ يقال فيه إن كانت تترتب عليه مصلحةٌ للمسلمين فهذا يكون مرده إلى ولي الأمر بأن يعين طائفةً يتخصصون في ذلك، وأما أن يكون الشأن لكل المسلمين بأن يفقهوا واقعهم ويتتبعوا أحوال اليهود والنصارى على جهة التفصيل، ويقرأ صحف اليهود والنصارى وما يتعلق بهم من السياسيات والاقتصاديات ونحو ذلك من أجل فقه الواقع استدلالًا بهذا النص هذا بمعزل عن ظاهر الكتاب والسنة، لأن هذا يعتبر من العبث ومن اللهو ومن تضيع الوقت لأنه لا ينبني عليه فائدة، لو كان من جهة ولي الأمر لترتب عليه فائدة ويكون ذلك مأخوذًا من مظانه، لأن الصحف لا تنشر كل ما قد يكون فيه فائدة لعامة المسلمين، بل جلها أكاذيب وجلها أقاويل وإنما هي أقوالٌ بلا زمام، بمعنى أنها غير معروفة الأصول، وعلى كلٍّ الاستدلال بهذه الجملة على ما يقع الآن من قضية فقه الواقع هذا التفصيل ليس بمحله. قال له - صلى الله عليه وسلم: ( «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ) . الفاء هنا للاستئناف ويحتمل أنها عاطفة، واللام هذه ( «فليكن» ) لام الأمر وهي حرفٌ جازم يجزم فعلًا واحدًا، ويكن مجزومًا بها يكن مضارع كان، ومعلومٌ أن اللام لام الأمر إذا دخلت على فعل مضارع أفادت الإيجاب حينئذٍ يكون من صيغ الإيجاب. إذًا ... ( «فليكن» ) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، وهنا متعلق بماذا؟ متعلق بالاسم والخبر، ما هو الذي فليكن؟ الأولية، أولية الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله حينئذٍ الأمر هنا متعلقٌ بجزئيةٍ وهي كون هذه الشهادة تقع أول مراتب الدعوة، حينئذٍ قوله: ( «أول» ) . هذا بالرفع وهو اسم يكن، ... و ( «شهادة» ) خبر يكن، وقيل: العكس. والظاهر هنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد الإخبار عن الأولية، فإذا كان كذلك فالأصل في الأولية هي أنها محكومٌ عليه، والشهادة هي محكومٌ به، وإذا كانت كذلك من جهة المعنى حينئذٍ يتعين أن يكون المحكوم عليه هو الاسم، أو المبتدأ في الأصل، وأن يكون المحكوم به وهو الشهادة هنا أن يكون خبرًا سواء كان خبرًا في الأصل أو بعد دخول كان، حينئذٍ نقول: الأولى هنا أن يجعل ( «أول» ) بالرفع ( «فليكن أولُ» ) لأن المراد هنا بيان مراتب الدعوة، وبأن المرتبة الأولى واجبة لأنه قال: ... ( «فليكن» ) . دل ذلك على أن ( «أول» ) بالرفع و ( «شهادةَ» ) بالنصب، وقيل: العكس. وظاهر النص أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يبين له الأولية في الدعوة إلى الله تعالى، فأول ما يكون من الدعوة هي الشهادة، وعليه فـ ... ( «أول» ) هو اسم يكن فهو مرفوع أي: أول ما تدعوهم إليه الشهادتان، والعكس جائز لكن المعنى يُرجح ما ذكرناه سابقًا. حينئذٍ ( «فليكن أول ما تدعوهم» ) إذا قيل بأن الواجب هنا دلّ عليه اللام، وهو ( «فليكن» ) لام الأمر، حينئذٍ ما هو المأمور به؟ هل المأمور به هنا التوحيد؟ أو المأمور به أولية الدعوة إلى التوحيد؟ لا شك أنه الثاني، لماذا؟ لأن ما تعلق بصيغة افْعَل هو المراد ليس المراد فقط صيغة افْعَل لأن صيغة افْعَل فِعْل، ثم الفعل قد يتعلق به مفعولٌ به، قد يتعلق به ظرف، قد يتعلق به اسم الزمان، قد يتعلق به مصدر .. إلى آخره، حينئذٍ بمجموع الْمُتَعَلَق والمُتَعَلِق هو المأمور به، وهذا قد تغيب عن بعض طلاب العلم في معرفة صيغة افْعَل فيقف مع الصيغة ويترك متعلقات الصيغة، ولذلك خالف الأصوليون إذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لو قال النبي - صلى الله عليه وسلم - صم يوم الاثنين، ما هو المأمور به؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت