فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 2014

لا زال الحديث في شرح أول حديثٍ من (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله) فقال المصنف رحمه الله تعالى: (عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» . وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائِمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه) أي في الصحيحين. سبق مناسبًا ذكر هذا الحديث بعد قوله تعالى: ( {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [سورة يوسف: 108] الآية) . وجعل الآية والحديث تحت هذا العنوان (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله) حيث أراد المصنف رحمه الله تعالى باب الدعاء إلى التوحيد، لأن المقام عنده في بيان ما يتعلق بالتوحيد، وكل ما سبق من الأبواب عنون له بذلك، فلما أورد الآية العامة ( {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ} ) الدعوة إلى الله تعالى تشمل التوحيد وزيادة، فحينئذٍ فيه شيءٌ من العموم وفيه شيءٌ من الإجمال، فأراد أن يُفَصِّلَ ذلك ويأتي بدليلٍِ يناسب ما ذكره من التبويب (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله الله) فجاء بهذا الحديث حديث ابن عباس في الصحيحين وعرفنا أنه قد يقال: إنه من مرسل الصحابي ابن عباس وقد يقال: بأنه حضر تلك الواقعة، وعلى كلا الاحتمالين فالحديث ثابت ولا إشكال فيه. ( «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما بعث معاذًا إلى اليمن» ) أي إلى أهل اليمن وأطلق الكل وأراد به البعض. (قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» ) أراد أن يبين له أن أولئك أصحاب علومٍ وهي علومٌ سابقة، حينئذٍ قد يكون عنده شيئًا من الشبه فأراد من معاذٍ أن يستعد لذلك وأن يُعِدَّ الأُهْبة والاستعداد للمناظرة من جميع الوجوه. فقال له عليه الصلاة والسلام وهو الشاهد من كلام المصنف هنا: ( «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ) . الفاء هذه كما سبق أنها تحتمل استئنافية ويحتمل أنها عاطفة ( «فليكن» ) واللام هذه لام الأمر تدل على الوجوب، ويكن مضارع كان الناقص، حينئذٍ تحتاج إلى اسمٍ يُرفع بها وإلى خبرٍ يُنصب بها فحينئذٍ قوله: ( «أولُ» ) هذا مرفوع كان واسمها ( «شهادةَ» ) بالنصب هذا خبر كان، ويجوز العكس والأول أولى، لأن المقام هنا مقام بيان الأولوية في الدعوة إلى الله تعالى، ما الأول حينئذٍ يرد السؤال ما الأول؟ ويأتي الخبر والجواب وهو ( «شهادة أن لا إله إلا الله» ) فلم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبين أن الشهادة هي أول ما يُدْعَى إليه، وإنما أراد أن يبين أن أول ما يُدْعَى إليه هو الشهادة كلاهما جائز ولا إشكال فيه، إلا أن المعنى الأول أَتَمّ لأن المقام هنا مقام بيان مراتب الدعوة، ولذلك قال المصنف: (باب الدعاء) وفي بعض النسخ باب الدعوة، إذًا المقام مقام بيان للدعوة حينئذٍ الدعوة لها أولويات، وأولويات الدعوة توقيفية بمعنى أنها لا مجال للبشر بالنظر فيها، فما قدمه الشارع وجب تقديمه وما أخره وجب تأخيره، والعكس، حينئذٍ يكون منابذًا للشرع، فإذا قُدِّمَ شأن الصلاة وهي أعظم مأمورٍ به بعد التوحيد على التوحيد فحينئذٍ نقول: هذا خالف المنهج الرباني أو خالف منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله تعالى، فكيف بما قدم ما دون ذلك من الأمور. إذًا ( «فليكن» ) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب، حينئذٍ تقديم التوحيد ويكون أول واجبٍ هذا واجبٌ، والواجب ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فإذا أخَّر التوحيد عن بيانه وما يتعلق به فقدم سائر المأمورات حينئذٍ يكون مخالفًا، وإذا كان مخالفًا حينئذٍ وقع في المحظور وقد ترك واجبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت