فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 2014

وفيه أن عليًّا لم يشهد أول خيبر الحصار إنما جاء في الليلة التي فُتِحَ في صباحها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذه المقالة: «لأعطين الراية» . أو «ليأخذن الراية» . قال هذه المقالة مساء الليلة التي فتحها الله عز وجل في صباحها، حينئذٍ نفس الليلة التي فُتِحَ. قوله: «لأعطين الراية» . كما في الرواية الأخرى السابقة «ليأخذن الراية» هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الْقَسَم المقدر «والله لأعطين» ، «لأعطين» اللام، ونون التوكيد الثقيلة. ثلاث مؤكدات ... «لأعطين الراية» فيها ثلاث مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون. ... «والله لأعطين» وهذا فيه تأكيد.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في رواية بريدة: «إن دافع اللواء إلى رجلٍ يحبه الله ورسوله» . يعني في رواية، قال: «الراية» . وفي رواية قال: «اللواء» . وهل الراية واللواء بمعنًى أم أنهما مختلفان؟ قيل، وقيل، ثَمَّ خلاف بين أهل العلم في تفسير «الراية» هل هي بمعنى اللواء أم أنهما متغايران؟ «الراية» قيل: بمعنى اللواء، وهو الْعَلَمُ الذي يُحْمَلُ في الحرب يعرف به موضع صاحب الجيش، صاحب الجيش يعلم بهذه «الراية» عَلَم، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر، وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما «الراية» واللواء بمعنًى واحد، لكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كانت راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوداء، ولوائه أبيض. معلوم أن الجملتين متغايرتان، حينئذٍ أخبر بأن الراية شيء ولها علامة تميزها، وأن اللواء شيءٌ آخر لأن الواو هنا يقتضي التعاطف، التعاطف غير معطف عليه، إذًا راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت سوداء، ولوائه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة، وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهذا ظاهر في التغاير بينهما، فلعل التفرقة بينهم عرفية هكذا قال في (( التيسير ) )، يعني تختلف من عرفٍ من زمنٍ إلى زمن آخر، فقد يكون الراية هي اللواء وقد يختلفان، ثم هذا الاختلاف لا نستطيع أن نُحِدَّهُ بحدٍّ وإنما تكون عرفية بمعنى أنها تختلف من زمنٍ إلى زمن، وفي (( القول المفيد ) ): الراية العلم، وسمي راية لأنه يرى من الرؤية، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه كما سبق، واللواء قيل: إنه الراية، وقيل: ما لُوِيَ أعلاه أو لُوِيَ كله، من الليل يعني الطي، يعني يُلَفُّ أوله أو أعلاه، يعني لا يُنشر، يُطوى لا يُرسل، فيكون الفرق بينهما أن الراية مفلولة لا تطوى متروكة مرسلة لا تُلْوَى ولا تُطْوى، واللواء يُطْوَى إما أعلاه أو كله، والمقصود منهما الدلالة، ولهذا يُسمى علمًا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

وفي (( الحاشية ) )حاشية ابن القاسم رحمه الله تعالى: والراية علم الجيش يرجعون إليه عند الكرِّ والفرّ، جمعها رايات، وكذا لواء الجيش علمه، وهو دون الراية، سمي لواءً لأنه يُلْوَى لكبره فلا يُنْشَرُ إلا عند الحاجة.

إذًا الراية لا تُطْوَى، واللواء يُطْوَى، هذا الفرق بينهما، وكل منهما يكون دليلًا وعلامة على مكان أمير الجيش سواء كان حامله هو أو غيره، إذًا لا فرق بينهما إلا من حيث الطي وعدمه، هذا الذي يظهر والله أعلم.

قوله: ( «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله» ) . ( «غدًا» ) الغدو اليوم الذي بعد يومك، كذلك يُطلق الغد في لسان العرب ويراد به اليوم المترقب البعيد، {وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18] متى غدًا، اليوم الذي يلي يومك؟ لا، المراد به اليوم المترقب البعيد، {لِغَدٍ} أي يوم القيامة، إنما سُمِّي غدًا لأنه يترقبه الناظر كما يترقب اليوم الذي يليه، وفي المثل: إن غدًا لناظره قريبٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت