ثانيًا: يُقيد باعتبار السامع، إذا شاع عند الناس مثلًا وخاصةً العوام أنه لا يحلف إلا من يكون قد شاكًا في كلامه حينئذٍ لا يحلف، لا يحلف على الفتوى، لماذا؟ لأنه يُشك السامع بأنه أن هذا المفتي قد وقع عنده شكٌ لذلك حلف، ولذلك لا يُحَلِّفون ولا يَحْلِفُون إلا عند سوء الظن بصدقه، هذا الذي عندهم، وأما أن يكون كل منهما يعتقد صدق صاحبه ويحلف هذا ليس مستعملًا عند الناس، فحينئذٍ الأعراف لها دور في ذلك، لكن إنما يكون ذلك إذا ترتب عليه فائدة ومصلحة لأنه قد يفهم السامع لا سيما في هذا الزمن أن المفتي لم يحلف إلا لشكٍ عنده، بل هذا هو الظاهر، وقد أمر الله نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع في القرآن:
-سورة يونس {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} ... [يونس: 53] .
-وفي سبأ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3] .
-وفي التغابن {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي} ... [التغابن: 7] .
هذا قسم فأمر الله عز وجل نبيه أن يقسم على هذه المواضع الثلاث، فدل على أن المقسَم عليه عظيم، لأن إنما يؤكد في المواضع العظيمة، ولا أن يكون كذلك في كل مكان وفي كل زمان، إنما يُنظر كما ذكرنا سابقًا إلى المصلحة العامة.
وبهذا قد نكون قد انتهينا من هذا الباب الخامس، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.