فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 2014

وقال في (( قرة عيون الموحدين ) ): قوله: ( «شهد» ) . لا ريب أن الشهادة لا تكون شهادةً إلا إذا كانت عن علمٍ ويقينٍ وصدقٍ، وأما مع الجهل والشك فلا تُعتبر ولا تنفع، فيكون الشاهد والحالة هذه كاذبًا لجهله بمعنى الذي شهد به. لو ادَّعَى أشهد أن لا إله إلا الله وهو يذبح لغير الله نقول: انتفى العلم، وانتفى الصدق ولا إله إلا الله لا تنفعه، لماذا؟ لأن هذه ليست بشهادة، وهذه اللفظة في هذه النصوص تدل على جملة من شروط أو أركان صحة الشهادة وهي العلم واليقين والصدق والعمل مع النطق، خمسة شروط مأخوذة من لفظ ( «شهد» ) ، وهذه الدلالة من ذات اللفظ، يعني المعنى اللغوي، وجاءت نصوص أخرى تُؤَكِّد المعنى الذي دل عليه لفظ الشهادة.

إذًا {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا دليل على ماذا؟ على تأكيد اشتراط العلم، وليس على اشتراط العلم بالشهادة، فرق بين المسألتين معي؟ إذا قيل: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} ، يعني لا إله إلا الله، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا حال، {شَهِدَ} حال كونه، هذه الحال مؤكدة أم مؤسِّسة؟ مؤكدة، لماذا؟ لأن العلم داخل في مفهوم ... {شَهِدَ بِالْحَقِّ} ، لأنها لا تكون شهادة كذلك إلا إذا كان عالمًا، إذًا قوله: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} من باب التأكيد لا من باب التأسيس، فتنبه لهذه قل من تَفَطَّنَ لها.

وتدل أيضًا لفظ ( «شهد» ) على عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد هذا أول مسألة نأخذها من هذه اللفظة، أنها تدل لفظ الشهادة على عدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد، وأن من وقع في الشرك الأكبر لا يمكن أن يتحقق فيه العلم بالشهادة، صحيح أو لا؟ ما معنى لا إله إلا الله؟ لا معبود بحقٍ إلا الله، لا يصرف العبادة لغير الله، هل هذا الذي يذبح لغير الله ويستغيث بغير الله هل في قلبه معنى لا إله إلا الله؟ أبدًا، لا يمكن أن يقال بأنه تحقق بالشهادة مع هذا الاعتقاد وهو جواز الاستغاثة بغير الله، أو صرف عبادات قلبية أو عملية لغير الله، فأول ما يحتج على من يقول بالعذر بالجهل في هذه المسائل في قوله: ( «شهد» ) . لأن الشهادة لا تكون إلا عن علمٍ، وهنا العلم قد انتفى.

إذًا وأن من وقع في الشرك الأكبر لا يمكن أن يتحقق فيه العلم بالشهادة، فالشهادة لا تكون إلا عن علم، والعلم بالشهادة والتلبس بالشرك الأكبر نقيضان لا يجتمعان، العلم بالشهادة يعني بالمشهود به، والتلبس بالشرك الأكبر نقيضان، كالليل والنهار لا يجتمعان لا يمكن أن يجتمعان، حينئذٍ إما هذا وإما ذاك، إما أن يوجد معنى لا إله إلا الله فلا بد أن ينتفي الشرك بحذافيره، فإن وُجِدَ الشرك الأكبر حكمنا عليه بأن المعنى غير موجود في قلبه إذ لو كان كذلك لما وقع في الشرك الأكبر.

والحاصل: أن قول المصنف: (باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله) . أن الشهادة لا بد أن يُنظر إليها بالمعنى السابق، وأن لها حقيقة لغوية ولا مانع أن تقول: شرعية. لا بد من اعتبارها، ونقول: شرعية بالنظر إلى النصوص الخاصة الواردة في اشتراط العلم والصدق واليقين، وكذلك النطق في تحقيق الشهادة.

قوله: (وشهادة) . مضاف و (لا إله إلا الله) مضاف إليه، قُصِدَ لفظه، نعم قصد لفظه حينئذٍ يكون ماذا؟ مجرورًا وجره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية اللهٌ اللهَ إما النصب وإما الرفع، ولا إله إلا الله كذلك نقول هنا: الشهادة مصدر، هل هو من إضافة المصدر باعتبار معناه المصدري أو باعتبار اسم المفعول أو اسم الفاعل؟ الظاهر أنه كسابقه، الشهادة هنا بالمعنى المصدري، ولا إله إلا الله يشهد هو، وشهادةِ أن يشهد هو لا إله إلا الله، إذًا لا إله إلا الله مقول، وإذا كان كذلك صار من إضافة المصدر إلى مفعوله، و (لا إله إلا الله) هي كلمة التوحيد وهي أفضل الذكر، ومر معنا حديث أبي سعيد الخدري (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال موسى: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله الله في كفة، مالت بهن لا إله الله» ) وهذا يدل على فضل هذه الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت