وعلى هذا تقرير ما سبق هذه المعاني السابقة تُحْمَلُ أو يُحْمَلُ لفظ شهد أن لا إله إلا الله في كل موضعٍ مرّ بك في الكتاب والسنة، الشهادة الماضية بالمعاني السابقة هي المدلول الشرعي لهذا اللفظ، فإذا جاء أشهد أن لا إله إلا الله، أو من شهد أن لا إله إلا الله، أو {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} حينئذٍ لا بد من استيفاء المعاني السابقة كلها وأن الخلاف الوارد بين السلف إنما هو خلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ويدل على ذلك ما قاله صاحب (( التيسير ) )في شرح حديث عبادة بن الصامت السابق في (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) قال - صلى الله عليه وسلم: ( «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ) .. الحديث، قال رحمه الله تعالى: قوله: ( «من شهد أن لا إله إلا الله» ) . أي من تكلم بهذه الكلمة. من أين أخذ؟ من تكلم بهذه الكلمة، من لفظ أشهد، إذًا لفظ الشهادة يدل على النطق، أي من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها العلم مأخوذ من لفظ أشهد عاملًا بمقتضاها، لأن الشهادة تستلزم العمل، بل يُطلق لفظ الشهادة على الفعل ظاهرًا وباطنًا لا بد من الصدق ولا بد من اليقين، كما دل عليه قوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] . وقوله: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وأما النطق بها من غير معرفةٍ لمعناها ولا عملٍ بمقتضاها فإن ذلك غير نافعٍ بالإجماع، يعني إذا نطق بها ولم يعرف معناها ولم يعمل بمقتضاها فغير نافعٍ بالإجماع، لماذا؟ لأنه لم يقل: لا إله إلا الله. وقوله: مجرد لفظ فحسب، والمراد من الشريعة أو الشرع في إطلاق لفظ من قال: لا إله إلا الله. المراد به اللفظ والمعنى، وليس المراد به اللفظ فحسب، فلا تحمل النصوص الواردة في قول: لا إله إلا الله. على مجرد ألفاظ وحروف، وإنما المراد بها ألفاظٌ ومعانٍ، حينئذٍ لا بد أن تحمل على هذه المعاني، ولذلك قال: أما النطق بها من غير معرفةٍ لمعناها، انتفى العلم، إذا انتفى العلم انتفت الشهادة، ولا عملٍ بمقتضاها، الثمرة الإلزام إذا انتفى حينئذٍ انتفت الشهادة، فإن ذلك غير نافعٍ بالإجماع.
قال رحمه الله: وفي الحديث ما يدل على هذا. يعني المعنى السابق، من أين أخذنا؟ قال: وفي الحديث ما يدل على هذا وهو قوله: ( «من شهد» ) . انظر التطبيق للمعنى اللغوي السابق، وهو أن شهد تدل على هذه المعاني كلها، لأن البعض بعض الطلاب أو من نظر في مسائل التوحيد وشروط لا إله إلا الله ينتظم نصوص خاصة تدل على كل شرطٍ من شروط لا إله إلا الله، ونحن نقول بهذا التقرير السابق أن الشروط المذكورة يدل عليها من جهتين:
الجهة الأولى: لفظ الشهادة.
الجهة الثانية: النص الخاص.
حينئذٍ يكون النص الخاص ليس مؤسِّسًا لحكم شرعي، وإنما هو مؤكد لما دلت عليه ألفاظ الشهادة، واضح هذا؟ ولذلك قال: وفي الحديث ما يدل على هذا وهو قوله: ( «من شهد» ) . إذ كيف يشهد وهو لا يعلم؟ كيف يشهد وهو لا يعلم؟ لا يمكن، يعني تصور إنسان يشهد على زيد من الناس بأنه سرق مثلًا، وهو لا يعلم سرق أم لا، هل هذه شهادة أم لغو ولعب ولهو؟ نعم الثاني، ومجرد النطق بالشيء لا يُسمى شهادةً به لو نطق به لا يسمى شهادة إلا إذا تضمن ما سبق، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وفي (( الحاشية ) )في نفس الحديث السابق ( «من شهد» ) أي من تكلم بها عارفًا لمعناها عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فإن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كان عن جهلٍ لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق كذلك لأنه يشهد بشيءٍ شاهده عن بصيرة، عن بصرٍ أو عن بصيرةٍ حينئذٍ كيف يكون مخالفًا للواقع؟ فلو كان كذبًا لما صح، وتقتضي الصدق وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لا بد من العلم بها والعمل والصدق، وهذه الثلاثة الشروط مأخوذة من لفظ ( «شهد» ) ، وزد عليه النطق فهذه أربعة شروط مأخوذة من لفظ ( «شهد» ) .