ثانيًا: بطريق الأدلة الفطرية والعقلية التي تكون في النفس وتكون في الغير، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة:17] . فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به - يعني نفوسهم - فالله تعالى يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لِمَا شهدت به آياته الخلقية، حينئذٍ حصل تطابق بين شهادة القول وشهادة الفعل.
ومن هنا لا بد من العمل فالشهادة تدل على أن العمل بمقتضى لا إله إلا الله ركنٌ من أركانها أو شرطٌ من شروطها، لأن الماهية متوقفة على إيجادها فلأنها شهادة والشهادة لا تكون إلا بفعل.
وأما المرتبة الرابعة: وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به، يعني مجرد الشهادة {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أمرٌ للخلق بأن يشهدوا هذه الشهادة، بمجرد الشهادة، لماذا؟ لأنها تدل عليه على الأمر من جهة الاستلزام لا من جهة الدلالة المطابقة ولا تضمن، ووجه استلزام شهادته سبحانه بذلك أو لذلك أنه إذا شَهِدَ أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبَيَّن وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بـ إله، وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلُح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلهًا، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلهًا، وهذا يَفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، (لا إله) هذا إخبار من الله عز وجل بنفي الألوهية عما سواه، وإثباتها له جل وعلا وحده دون ما سواه، يستلزم ماذا؟ يستلزم الأمر باتخاذه وحده دون ما سواه إلهًا يُعبد، والنهي عن اتخاذ غيره جل وعلا إلهًا، أليس كذلك؟ وهذا يفهمه كل مخاطب من [النهي] النفي والإثبات، وأيضًا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم، فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده.