فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 2014

ثانيًا لهذا الدليل الخاص [إلا وهم نعم] {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} ، يعني: لا إله إلا الله، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيءٍ وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة، يعني هل يشترط، وهذه المسألة قَلَّ من نص عليها في هذا المقام لا إله إلا الله جاءت بعض النصوص «من شَهِدَ أن لا إله إلا الله» . هل يشترط لفظ الشهادة أم المراد لا إله إلا الله؟ قولان، لكن جماهير السلف على أن لفظ الشهادة لا يُشترط، وإنما المراد هو قول لا إله إلا الله، ولذلك جاءت في بعض النصوص «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» . وجاء في بعض الروايات: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله» . إذًا لفظ الشهادة التنصيص عليه المراد به تحقيق معنى لا إله إلا الله، أن تكون عن علمٍ وصدقٍ .. إلى آخره.

إذًا مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيءٍ وأخبر به فقد شَهِدَ به وإن لم يتلفظ بالشهادة، قال تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام:150] . وقال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] . فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة، ماذا قالوا؟ قال: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا} . يعني ادعوا أن الملائكة إناث، هل قالوا: نشهد أن الملائكة إناث؟ ما قالوا ذلك، وجعله ماذا؟ جعله شهادة، إذًا بمجرد تكلمهم جعله شهادة وإن لم ينص على لفظ الشهادة، فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظُوا بلفظ الشهادة، ولم يؤدوها عند غيرهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» . وشهادة الزور هي قول الزور، كما قال تعالى: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج:30، 31] . حينئذٍ قول الزور شهادة الزور بمعنًى واحد، وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النساء:135] . فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وسماه شهادة، يعني لو اعترف لم يقل: أشهد على نفسي كذا. وإنما قال: فعلت كذا وكذا. هل هذا شهادة أم لا؟ نقول: شهادة، لأن الله تعالى سماها شهادة.

قال ابن القيم: وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة. إذًا لا إله إلا الله كافية، وأشهد أن لا إله إلا الله الواردة في بعض النصوص المراد به التأكيد على مدلول لا إله إلا الله، وأنها لا بد أن تُؤَدَّى كما تؤدى الشهادة بشروطها السابقة، ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» . وفي لفظٍ آخر: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله» . فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم بمجرد القول، وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليلٌ يُعتمد عليه البتة.

وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان:

-إعلام بالقول.

-وإعلامٌ بالفعل.

وهذا شأن كل مُعْلِمٍ لغيره بأمرٍ تارةً يعلمه بقوله، وتارةً بفعله، وكذلك شهادة الرب جل وعلا وبيانه وإعلامه تارةً يكون بقوله، وتارةً يكون بفعله، فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا الله، وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به، وشهادتهم سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بَلَّغَ عنه كلامه.

وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تُعْلَمُ دلالتها بالعقل والفطرة، وهذا أيضًا يُستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان، فالله تعالى أخبر عن وحدانيته من جهتين:

أولًا: من جهة القول وتبليغ كلامه عن طريق الرسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت