فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 2014

الأول، الذي هو أن هذه الشهادة إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله. حينئذٍ أعلم وأقرّ وأتكلم وأبيِّن وأحكم وأفعل: أن لا إله إلا الله، حينئذٍ هذه الشروط التي يذكرها العلماء في تحقيق لا إله إلا الله إنما هي مأخوذة في الجملة من قوله: أشهد. أو من قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «من شهد» ) . أو قوله تعالى: ... {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18] . ... الآية، هذه كلها مأخوذة من اللفظ نفسه، فمتى ما انتفى شيءٌ منها انتفت الشهادة، والأصل في الشهادة لله بالتوحيد قوله تعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: 18، 19] . تضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهودٍ عليه، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى وغيره، وعبارات السلف في ... {شَهِدَ} ، الكلام لابن القيم في (( المدارج ) )في منزلة التوحيد الجزء الرابع صفحة أربعمائة وشيء: وعبرات السلف في {شَهِدَ} تدور على الحكم والقضاء. يعني في هذه الآية السلف اختلفوا في تفسير {شَهِدَ اللهُ} ، فقيل: الحكم والقضاء، والإعلام والبيان، والإخبار. انظر كلٌّ منهم فسّر {شَهِدَ} ببعض المعنى الذي استعمل له في لسان العرب، وعرفنا أن القرآن جاء بتلك المعاني على جهة الإفراد، فتارةً عبر بالشهادة عن العلم، وتارةً عبر بالشهادة عن الإقرار، وتارةً عبر بالشهادة عن الإعلام والإخبار، حينئذٍ عبارات السلف دارت حول هذه المعاني. وقال مجاهد: حكم وقضى. وقال الزجاج: بَيَّن. لا بد بيان أخبر، وقالت طائفةٌ: أعلم وأخبر. انظر هذا اختلاف، هل هو اختلاف تنوع أم اختلاف تضاد؟ الأول أم الثاني؟

الأول اختلاف تنوع، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذه الأقوال كلها حقٌّ لا تنافي بينها. حينئذٍ يكون لفظ الشهادة محمولًا على هذه المعاني كلها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب، الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا اجتمعت فيها هذه المراتب الأربعة.

فأول مراتبها: علمٌ ومعرفة واعتقادٌ لصحة المشهود به وثبوته، وهنا المراد بالعلم والمعرفة الإدراك الجازم لأنه باب المعتقد، كما قررناه سابقًا، لفظ العلم والمعرفة لا يختص بالإدراك الجازم، بل يشمل الجازم وغير الجازم، لكن في باب المعتقد يختص بالجازم فأول مراتبها علمٌ ومعرفةٌ واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته.

وثانيها، ثاني المراتب: تكلمه بذلك، لا بد أن يتكلم، ونطقه به، وإن لم يُعْلِمْ به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكُرُها وينطق بها أو يكتبها، لا بد أن يُخبر لكن لا يشترط أن يُخبر غيره.

وثالثها: أن يُعْلِمَ غيره بما شَهِدَ به ويخبره به ويبيِّنَه له.

ورابعها: أن يَلْزَمُهُ بمضمونها، أو يُلْزِمَهُ بمضمونها ويأمره به.

فهذه مراتب أربعة لا تتحقق الشهادة إلا بمجموعها، فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك، وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به.

أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورةً، بمعنى أنها لا تكون شهادة إلا إذا كان عالمًا وإلا كان الشاهد شاهدًا بما لا علم له به، قال تعالى: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:86] . هذا دليل خاص، وإن كان لفظ الشهادة يدل على العلم، حينئذٍ نأخذ شرط العلم من جهتين:

من جهة لفظ الشهادة لأنه لا تكون إلا عن علمٍ صادرٍ حاصلٍ بمشاهدة بصيرةٍ أو بصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت