فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 2014

وقوله: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} [الزخرف: 19] . يعني مشاهدة البصر، ثم قال: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} [الزخرف: 19] . تنبيهًا على أن الشهادة تكون عن شهودٍ، أي حضور، والحضور هذا إن كان بالقلب فهو البصيرة، وإن كان بالبصر فهو البصر، ولا إشكال فيه، وقوله: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] . أي وأنتم تعلمون، يعني أُطْلق لفظ الشهادة على العلم، وشهدت قال في (( المفردات ) ): وشَهِدت يقال على ضربين:

أحدهما: جارٍ مجرى العلم، يعني يريد أنه مرادف للعلم، والصحيح أنه ليس مرادفًا للعلم من كل وجه، وإنما مبناه على العلم، بمعنى أن الشهادة مرتكزة ارتكازًا كليًّا على العلم فمتى ما وُجِدَ وُجِدت الشهادة، ومتى ما انتفى العلم انتفت الشهادة، ولذلك عبَّر هنا بأنها جارٍ مجرى العلم، وبلفظه تقام الشهادة، ويقال: أشهد بكذا. ولا يُرْضَى من الشاهد أن يقول: أعلم. يعني عند القاضي، عند الحاكم يقول: أشهد بكذا. ولا يقول: أعلم بكذا. وهذا محل نزاع بين الفقهاء، ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) )يرجح إلى أنه لا يشترط، بل يحتاج أن يقول: أشهد.

والثاني: يجري مجرى القسم. فيقول: أشهد بالله أن زيدًا منطلق. فيكون قسمًا، والذي معنا هو الأول، وهو أن شهدت يجري مجرى العلم، بمعنى أن لفظ الشهادة مرتكزٌ على العلم، فمتى ما وُجد العلم تحققت الشهادة، ومتى ما انتفى العلم حينئذٍ انتفت الشهادة، وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] . يعني حكم حاكم من أهلها، فلفظ الشهادة المراد بها هنا الحكم، وقد يعبر بالشهادة عن الإقرار كما في قوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6] . إن كان ذلك شهادةً لنفسه فهو الإقرار.

إذًا تطلق الشهادة وتجري مجرى العلم بمعنى أنها مرادفة للعلم فتطلق عليه، وإن كان هو جزءًا منها.

الشهادة بمعنى الحكم.

الشهادة بمعنى الإقرار.

وقوله: {وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81] . أي ما أخبرنا، أخبرنا تحدثنا نطقنا، إذًا الشهادة تُطلق في لسان العرب وفي استعمال الشرع بمعنى الإخبار، وقوله تعالى: {شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} ... [التوبة: 17] . فيه قولان:

-أي مقرون صارت داخلة فيما سبق.

-والثاني {شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} بفعلهم فأطلق على الفعل شهادة، وهذا رجَّحه ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) ).

إذًا الشهادة تدور حول هذه المعاني:

العلم، والإقرار، والحكم، وكذلك القضاء، وتأتي بمعنى الإخبار والبيان والإيضاح وماذا؟ والفعل كذلك، والنطق لا إشكال فيه، لأن الشهادة هي نوعٌ من أنواع الخبر.

إذًا لا بد من: نطقٍ، ولا بد من إقرار، ولا بد من حكمٍ، ولا بد من إخبار.

هل الشهادة التي هي معنا تكون جامعةً لهذه المعاني كلها أم خاصة بمعنى دون معنى؟ واضح؟ الأول أم الثاني؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت