وعند بعض النحاة الكلام هنا على تقدير حرف [مِنْ] الجنسية، وهي الاستغراقية، حينئذٍ على ما تقرر سابقًا أن (لا) نافيةٌ للجنس، و (إله) كذلك اسمٌ من أسماء الأجناس كما سيأتي، حينئذٍ الله عز وجل (إله) ، وكل معبودٍ اتخذه المشركون من دون الله عز وجل يصدق على كل واحدٍ أنه (إله) ولا حصر لها، فالأصنام كل صنمٍ (إله) ، والشجر (إله) ، والكوكب (إله) ، والشمس (إله) ، والقمر .. قل ما شئت، إذًا اسم جنسٍ يصدق على متعددين، وهذه مختلفة بالحقائق، فيصدُق عليها أنه جنسٌ بالمعنى المنطقي [نعم] ، بالمعنى المنطقي إذا صدق بالمعنى المنطقي لزم الثاني، حينئذٍ نقول: هذا اللفظ يصدُق على مختلفين كثيرين أو على كثيرين مختلفين بالحقيقة دخلت عليه (لا) ، (لا إله) فنفى ليس وجود الآلهة، يعني عرفنا أن ماذا؟ أن (لا) إذا دخلت على اسمها النكرة لا تنفي وجوده، وإنما تنفي اتصافه بالخبر، فنفت الحكم أو الصفة عن الاسم، وأما (إله) فهو موجود فحينئذٍ لا يفهم من لا إله) أنها نفت وجود الآلهة المتعددة المختلفة، وإنما هي دالةٌ على إثباتها، لأن متعلق النفي إنما هو وصف هذا الإله، وهو الاستحقاق للعبادة كما سيأتي.
وعند النحاة وكثير من الأصوليين أن اسم (لا) هنا أو التركيب على معنى (من) الاستغراقية، وتسمى (من) الجنسية، فجملة (لا إله إلا الله) التقدير فيها: (لا [مِنْ] إلهٍ إلا الله) ، هذا أصل التركيب (لا [مِنْ] إلهٍ إلا الله) ، وهذا وجه التنصيص على العموم، من أين جاءت؟ لا شك أن (لا إله) قد يقال: بأنها نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي ظاهرةٌ في العموم، ومتى نحكم على النكرة التي في سياق النفي أنها نصٌّ في العموم إذا زِيدت [مِنْ] عليها، إذا دخلت عليها [مِنْ] حينئذٍ نقول: هذا نصٌّ في العموم، وعليه لا يُعترض عليه بأي خاصٍّ يخصص اللفظ، بل نجعله عامًا، ثم ليس عامًا فحسب بل هو نصٌّ في العموم فلا يحتمل التخصيص البتة، فـ (لا إله) ، (لا [مِنْ] إلهٍ إلا الله) ، مثله {مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ} [المائدة: 19] ، {بَشِيرٍ} هذا نكرة في سياق النفي حينئذٍ يعم وزيدت عليه [مِنْ] تنصيصًا في العموم، يعني تأكيدًا في العموم بأنه لا يحتمل الظهور البتة، {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] ، {خَالِقٍ} هذا نكرة في سياق الاستفهام فيعم في النفي لأنه هنا مشربٌ معنى التَّحدِّي ففيه شيءٌ من النفي، حينئذٍ هل خالق هذا أفاد العموم، لكن لما زيدت عليه [مِنْ] صار نصًّا في العموم، (لا إله) تفيد العموم ونصًّا في العموم بملاحظة (مِنْ) الاستغراقية المقدرة واضحٌ؟ بملاحظة [مِنْ] الاستغراقية أو إن شئت قل: الجنسية المقدرة. ولذلك قالوا: (لا إله) أصلها: (لا [مِنْ] إله إلا الله) .
قال الأشموني رحمه الله تعالى في شرح (( الألفية ) )في باب (لا) لما ذكر أن الأصل في (لا) مع اسمها متضمنةٌ معنى [مِنْ] الاستغراقية علل ذلك بقوله: لأن قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود [مِنْ] لفظًا أو معنى. نحن قصدنا العرب أرادوا بـ (لا) المركبة مع اسمها التي تعمل عمل (إِنَّ) أرادوا بها نوعًا من أنواع العموم، لأن ألفاظ العموم منها ما هو ظاهر وهو الكثير، وأرادوا أن يَنُصُّوا بهذا اللفظ على العموم، فيجعلوها نصًّا، حينئذٍ القاعدة عندهم أَنْ قصد الاستغراق على سبيل التنصيص يستلزم وجود [مِنْ] لفظًا كما في قولنا أو في قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} . لفظًا نُطِقَ بها، فإذا دل اللفظ أو التركيب على التنصيص في العموم، حينئذٍ لا بد من جعل [مِنْ] مقدرةً، فلذلك قال: يستلزم وجود [مِنْ] لفظًا كما في الآية المذكورة، أو معنى كما في (لا إله إلا الله) .